بقلم:
د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي
ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٢١)
” سيدنا عيسى عليه السلام “
وبعده النبيُّ صنوُ الكرَم
أعني المسيحَ ذا المقام الأكرم
عيسى التقيُّ المرتضى الجليلُ
جاء به الكتاب والتنزيل
وأمه مريمُ تلك الطاهرةْ
أكرمها ربي بنفس عامرةْ
قد نذرتها أمُّها لله
ترجو لها الخير بلا اشتباه
فاشتهرت بالسيرة الجليّةْ
عابدة زاهدة تقيّةْ
تنازع الرهبان في الكفالةِ
لمريم العظيمةِ المكانةِ
كفَلَها العبد أخو الإيمان
ذا زكريا جاء في القرآن
واتخذت مريم للعبادةِ
لها مكانا تختلي في العادةِ
فجاءها من ربنا الروحُ وقد
بلَّغها السلامَ من ربي الأحد
وقد قضى الله يكون الحملُ
بالولد الزاكي وذاك الفضل
قالت وكيف لم يمَسَّ البَشَرُ
جسمي وإني عند ذلك الأطْهَرُ
لست بغيّاً ما يقول القوم
يطُولني الأذى كذاك اللوم
قال لها الأمر من الله ولا
تخشَيْ كلاما إن أتى من الملا
فالله إن قال لشيءٍ كن يكن
قالت أجبت الله يقضي ما يكن
فحملت مريمُ ثم انتبذت
لها مكاناً بعدما قد علمت
أن المخاض قد أتى والله
طمأنها عن كل ما تخشاه
فلا تخافي الماءُ تحت النخلةِ
والرُّطَبُ الجنيّ جا بالجملةِ
كلي وقرِّي العينَ لا تخافي
فالله ربي كاتبُ الألطاف
وحملته تبتغي القوم وقد
توكّلت في الأمر لله الصمد
ونذرت لله قالت صُمْتُ
عن الكلام هكذا عزمت
وأقبلت في حجرها الغلام
وجاءها من قومها المَلام
ماذا أتيتِ مريمٌ فلم يسِرْ
أبوك في السيّءِ ما بين البشر
ولم تك الأمُّ بغيّاً والذي
نراه منك مريمُ الفعل البذي
ولم تقل مريمُ بل أشارت
للابن بالوجه كذا أشاحت
فاندهشوا قالوا لها في الحال
نعجب منك يا ابنة الرجال
كيف نكلِّم الصبيّ الطفلا
هل تحسبين الناس فينا غُفلا
وعندها أنطق ربي الطفلا
بلغهم عيسى الكلام الفصلا
فقال عبدالله إن ربي
جعلني مباركاً في الغيب
أوصاني بالصلاة والزكاة
ملتزماً في سائر الحياة
براً بأمي صافياً نقيّا
ولم أك الجبار والشقيّا
هو عيسى ابن مريم عليه السلام، وجاء اسمه بالعبرية ( يسوع )، وهو من الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى بني إسرائيل، وواجه ابتلاءات كبيرة، وأمه مريم العذراء الطاهرة التي كانت من عباد الله تعالى المتقين، وكانت ولادتها بعد فترة من انتظار عمران للولد، فسألت زوج عمران الله تعالى أن يرزقها الذرية، فلما حملت جعلته لله تعالى، ونذرته لخدمة بيت المقدس، وكان ذلك عنوان البركة لديهم، فولدت مريم، فحققت نذرها علما بأنهم كانوا ينذرون الأولاد الذكور لخدمة بيت المقدس، فقال سبحانه:{ إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَ انَ رَبِّ إِنِّی نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِی بَطۡنِی مُحَرَّرࣰا فَتَقَبَّلۡ مِنِّیۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ (٣٥) [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٣٥]، ولما رأى أعلام بني إسرائيل بركتها تنافسوا فيمن يقوم برعايتها وكفالتها، لأنها ابنة كبار أحبارهم عمران، فكفّلها الله زكريا زوج خالتها، الذي لم يكن ذا ولد في ذلك الوقت، وكان لتربيته دور كبير في تكوين شخصيتها حيث أنه من الأحبار الذين لهم مكانة عالية في العلم والفضل، فبارك الله له في نفسه وأهله ورزقه الذرية الصالحة المباركة بعد ذلك، قال سبحانه :( وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰۤئكَةُ یَـٰمَرۡیَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاۤءِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (٤٢) یَـٰمَرۡیَمُ ٱقۡنُتِی لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِی وَٱرۡكَعِی مَعَ ٱلرَّ ٰكِعِینَ (٤٣) ذَ ٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَاۤءِ ٱلۡغَیۡبِ نُوحِیهِ إِلَیۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَیۡهِمۡ إِذۡ یُلۡقُونَ أَقۡلَـٰمَهُمۡ أَیُّهُمۡ یَكۡفُلُ مَرۡیَمَ وَمَا كُنتَ لَدَیۡهِمۡ إِذۡ یَخۡتَصِمُونَ (٤٤) }[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٤٢-٤٤]، وقال تعالى:( فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّی وَضَعۡتُهَاۤ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّی سَمَّیۡتُهَا مَرۡیَمَ وَإِنِّیۤ أُعِیذُهَا بِكَ وَذُرِّیَّتَهَا مِنَ ٱلشَّیۡطَـٰنِ ٱلرَّجِیمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنࣲ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنࣰا وَكَفَّلَهَا زَكَرِیَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَیۡهَا زَكَرِیَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقࣰاۖ قَالَ یَـٰمَرۡیَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ یَرۡزُقُ مَن یَشَاۤءُ بِغَیۡرِ حِسَابٍ (٣٧) } [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٣٦- ٣٧].
اتخذت العابدة مريم ابنة عمران مكانا تختلي فيه للعبادة، وفي يوم من الأيام جاءها الملَك رسولا من الله تعالى يخبرها بأن الله تعالى سيقدّر جنينا تحمله، فاندهشت لذلك، لأنها عذراء وليست ذات زوج، فأخبرها بأن هذا أمر الله تعالى، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، فاستجابت لأمر الله تعالى، ورضيت بما كتبه الله، وهي العابدة التقية المخلصة، موقنة بأن الله تعالى يحفظها من كل سوء، وبالتالي فحينما حملت بعيسى وجدت الاتهام من قومها في شرفها وعرضها، وهو من أشد الابتلاءات النفسية، حيث كان الحمل بعيسى معجزة وآية أودعها الله في مريم شرّفها الله، قال تعالى:( وَٱذۡكُرۡ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مَرۡیَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانࣰا شَرۡقِیࣰّا (١٦) فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابࣰا فَأَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرࣰا سَوِیࣰّا (١٧) قَالَتۡ إِنِّیۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِیࣰّا (١٨) قَالَ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمࣰا زَكِیࣰّا (١٩) قَالَتۡ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَـٰمࣱ وَلَمۡ یَمۡسَسۡنِی بَشَرࣱ وَلَمۡ أَكُ بَغِیࣰّا (٢٠) قَالَ كَذَ ٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَیَّ هَیِّنࣱۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥۤ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةࣰ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرࣰا مَّقۡضِیࣰّا }[سُورَةُ مَرۡيَمَ: ١٦-٢١] ، وقال سبحانه:{ إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰۤئكَةُ یَـٰمَرۡیَمُ إِنَّ ٱللَّهَ یُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةࣲ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِیحُ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ وَجِیهࣰا فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِینَ (٤٥) وَیُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِی ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلࣰا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ (٤٦) قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی وَلَدࣱ وَلَمۡ یَمۡسَسۡنِی بَشَرࣱۖ قَالَ كَذَ ٰلِكِ ٱللَّهُ یَخۡلُقُ مَا یَشَاۤءُۚ إِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرࣰا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ (٤٧) } [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٤٥-٤٧]}، وتلك آية من آيات الله تعالى، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وعندما ولدت به نذرت لله تعالى الصيام عن الكلام، وأتت به قومها فاتهموها، وكانت إجابتها الإشارة إلى الطفل الذي بين يديها، فكان الآية العظيمة أن الله تعالى أنطق عيسى في مهده، وبيّن براءة أمه من القذف، وأشار إلى بركته ونبوته في المستقبل، قال سبحانه:{ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانࣰا قَصِیࣰّا (٢٢) فَأَجَاۤءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ یَـٰلَیۡتَنِی مِتُّ قَبۡلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسۡیࣰا مَّنسِیࣰّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِن تَحۡتِهَاۤ أَلَّا تَحۡزَنِی قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِیࣰّا (٢٤) وَهُزِّیۤ إِلَیۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَـٰقِطۡ عَلَیۡكِ رُطَبࣰا جَنِیࣰّا (٢٥) فَكُلِی وَٱشۡرَبِی وَقَرِّی عَیۡنࣰاۖ فَإِمَّا تَرَیِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدࣰا فَقُولِیۤ إِنِّی نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَـٰنِ صَوۡمࣰا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡیَوۡمَ إِنسِیࣰّا (٢٦) فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُوا۟ یَـٰمَرۡیَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَیۡـࣰٔا فَرِیࣰّا (٢٧) یَـٰۤأُخۡتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءࣲ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِیࣰّا (٢٨) فَأَشَارَتۡ إِلَیۡهِۖ قَالُوا۟ كَیۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِی ٱلۡمَهۡدِ صَبِیࣰّا (٢٩) قَالَ إِنِّی عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَانِیَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِی نَبِیࣰّا (٣٠) وَجَعَلَنِی مُبَارَكًا أَیۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَـٰنِی بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَیࣰّا (٣١) وَبَرَّۢا بِوَ ٰلِدَتِی وَلَمۡ یَجۡعَلۡنِی جَبَّارࣰا شَقِیࣰّا (٣٢) وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَیَّ یَوۡمَ وُلِدتُّ وَیَوۡمَ أَمُوتُ وَیَوۡمَ أُبۡعَثُ حَیࣰّا (٣٣) ذَ ٰلِكَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِی فِیهِ یَمۡتَرُونَ (٣٤) [سُورَةُ مَرۡيَمَ: ٢٢-٣٤]، فعندها أيقنوا طهارة السيدة مريم وعلو شأن ابنها، فكان هذا الابتلاء العظيم للسيدة مريم وابنها عيسى، فتدبر هذه الآيات الكريمة التي فصل الله تعالى فيها هذا الابتلاء الذي مرت به مريم وابنها، وقد جعل الله مريم وابنها عيسى آية من آيات الله تعالى احتواهما بفضله وكرمه ، قال سبحانه:( وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡیَمَ وَأُمَّهُۥۤ ءَایَةࣰ وَءَاوَیۡنَـٰهُمَاۤ إِلَىٰ رَبۡوَةࣲ ذَاتِ قَرَارࣲ وَمَعِینࣲ }[سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ: ٥٠]، وذلك فضل من الله ونعمة لعباده الصالحين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين، اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وصالحات أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا، واغفر لنا ولجميع المسلمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.





