بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية
ذكر محمد بن مناذر قال: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد الفراهيدي فانقطع شسعي أي: صار النعل لا يصلح للسير، فخلع نعليه هو أيضاً، فقلت: ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفاء.
وفي قصة الإفك، قالت عائشة: وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما، حتى ظنا أن البكاء فالق كبدي، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي.(رواه البخاري).
المواساة هي أن تشارك غيرك ما يمر به ويختلج بداخله فيشعر أنه ليس وحيدًا، فأنت عندئذ تخفف من مصابه وتفرج من همه، وتقلل وطأته عليه، فالمواساة هي من أخلاق المؤمنين وجميل صفاتهم، وتدل على دماثة الخلق وكرم النفس وسموها. وقد قيل أن المواساة أنواع كما ذكرها ابن القيم: فهي مواساة بالمال ومواساة بالجاه، ومواساة بالبدن والخدمة، ومواساة بالنصيحة والإرشاد، ومواساة بالدعاء والاستغفار لهم، ومواساة بالتوجع لهم، وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلما قوي قويت.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أوفى الناس في مواساته لأصحابه، فقد رق قلبه لمغيث عندما تركته زوجته بريرة، فأراد أن يشفع له عندها، إذ كان مغيث يحبها أشد ما يحب الرجال النساء وكانت تبغضه، فافترقا، فكان يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، قال ابن عباس: قال النبي: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟.
فقد قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتهِ؟. قالت: يا رسول الله أتأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه (رواه البخاري).
أتعلم أيها القارىء: أن المواساة تبعث بداخلك فرحة غامرة، وطمأنينة روحية، كما إنها توطد وتُجدر الروط الأسرية فتصبح عميقة، ولها فضل عظيم في ترسيخ دعائم الود، وتفرج كرب أصحابها، فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).وكما أنه يكون الله في عونه(فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام.
وأخيرًا: كن بجانب من يحتاج إليك، شاركه أحزانه فقد قيل أن الحزن عندما تشاركه يصغر وأرخِ له مسمعك؛ فالبوح يقلل من ثقل الهموم ويبني جسورًا من الود ثابتة بالرغم من مرور السنين،ولا تنسى أن هذه الدنيا على تستقر على حال، فأنت اليوم تربت على الأكتاف وغدًا قد تكون من أولئك الذين يبحثون عن زواية دافئة يركنون إليها. وصدق الشاعر حين قال:
إِذا جادتِ الدنيا عليكَ فجُدْ بهـا
على النـاسِ طـراً إِنــها تَتَقَلَّبُ
فلا الجود ُيفنيها إِذا هي أقبلت
ولا البخلُ يُبْقيها إِذا هي تَذْهَبُ.







