بقلم :محمد بن علي بن سالم الشعيلي
هناك من يظن أن الصمت عجز، وأن تجاهل الإساءة ضعف، وأن عدم الانجرار خلف المهاترات دليل خوف أو تردد. لكن من يعرف عُمان وأهلها، يدرك أن الصمت الذي يتحلّى به العُماني ليس إلا سموًّا في الأدب والأخلاق، ووعيًا في الفكر، وثقةً بالنفس لا تحتاج إلى ضجيج.
لقد جُبلنا على الصمت حين يكون الكلام عبثًا، وتعلّمنا أن الحوار مع الجاهل لا يرفع من قدر العاقل، بل يهبط به إلى الحضيض.
سمعنا كثيرًا، ورأينا أكثر، ورأينا من تطاول على وطننا، وعلى سلطاننا، بل حتى على ديننا وقيمنا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات لا تعرف إلا الفوضى والإثارة، لكننا آثرنا الصمت، لا لأننا عاجزون عن الرد، بل لأننا نعرف أن الرد على السباب لا يصنع حقًا، وأن النزول إلى مستنقع الإساءة لا يليق بمن تربّى على الأخلاق والاحترام.
لقد صمتنا طويلًا، لا عن ضعف، ولا عن رضا، وإنما لأننا نؤمن أن الأوطان الكبيرة لا تنشغل بكل ناعق، وأن القيم الراسخة لا تهتز أمام الكلمات الرخيصة. صمتنا كان رسالة بحد ذاته؛ رسالة تقول إننا أكبر من الإساءة، وأسمى من المهاترة، وأوعى من أن نُستدرج إلى معارك لفظية لا رابح فيها.
نحن في عُمان، لا نحتاج إلى الشعارات لنثبت وحدتنا. نحن نعيشها كل يوم. نعيش في الأحياء ذاتها، نصلي في المساجد ذاتها، ونتشارك الأفراح والأحزان ذاتها. قد يسكن الإنسان سنوات بجوار جاره، دون أن يسأله عن مذهبه، لأنه ببساطة لا يرى فيه إلا أخًا في الدين، وشريكًا في الوطن،
في عُمان، لا قيمة للأسماء التي يحاول البعض أن يزرع بها الفرقة بين الناس.. لا نسأل: هل هو إباضي أم سني أم شيعي؟ لأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يحاول الجاهلون أن يفرقونا به، نحن نعرف شيئًا واحدًا فقط: أننا عُمانيون، ننتمي إلى وطن واحد، ونقف تحت راية واحدة، ونؤمن بدين واحد.
هذه البيئة التي نشأنا فيها، وهذه التربية التي تربينا عليها، هي التي جعلتنا نرفض كل صوت نتن يريد أن يفسد صفاء المجتمع، وكل لسان سيئ يحاول أن يزرع الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، لقد تعلّمنا أن الأخلاق ليست ضعفًا، وأن الحلم ليس خوفًا، وأن التسامح لا يعني التنازل عن الكرامة، لكن على من يسيء أن يفهم أمرًا واحدًا: أن للصمت حدودًا. وأن العاقل إذا تكلم، تكلم بالحجة والمنطق والقوة. وإذا نطق العُماني دفاعًا عن دينه، وعن وطنه، وعن سلطانه، فإنه لا يتحدث بعاطفة عابرة، بل يتحدث من موقع الحق، ومن مكانة شعب يعرف قدر وطنه، ويعرف كيف يحميه.
إن عُمان ليست كما يتصورها أولئك الذين لا يرون إلا بعين الكراهية.
عُمان أكبر من ضجيجهم، وأقوى من إساءاتهم، وأرقى من لغتهم. إنها وطن بناه الرجال بالحكمة، وحفظه أهله بالمحبة، وسيظل بإذن الله عصيًا على كل من يحاول النيل منه.
فليعلم الجميع أن صمت العُمانيين ليس ضعفًا، وليس رضا، وإنما هو احترام للنفس، وحرص على القيم، وثقة بوطن لا تهزه الكلمات، أما إذا جاء وقت الكلام، فإن صوت الحق سيكون أبلغ، وأقوى، وأشد وقعًا من كل إساءة.







