سلسلة مقالات من وحي الطوفان( الحلقة الثانية)

بقلم: د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٥)
النبي موسى عليه الصلاة والسلام (١)

والمصطفى النبيّ موسى قد ورد
عـاش ابـتلاءات وكـم فـيها صمد

أولــهـا فـرعـون حـيـث قــد عــلا
وعــانــت الـعـبـاد ظـلـمـاً والــبـلا

واسـتضعف الناس كذاك استَحيا
نـسـاءهم بــدون أدنــى اسـتِـحيا

وقـتّـل الأطـفـال كــم قـد أفـسدا
فـي الأرض عـانَوا خـبثه والـنكدا

وأم مـوسـى تـنـظرنْ فـي الـحال
وخــوفـهـا أعــلـى مـــن الـجـبـال

والله قــد أوحـى لـها فـي الـحال
إن خــفـت فـارضـعـيه لا تـبـالـي

ألـقـيـه فـــي الــيَـمِّ ولا تـخـافـي
يــســيـر بـــالأمــان والألـــطــاف

ألــقـتـه والأخـــت تــقـص أثَـــرَه
فـــأدركـــت مــكــانــه وخـــبـــره

والـتـقـط الـجـنـود هــذا الـطـفلا
لــــمـــا رأوه دونــــهـــم أطَـــــــلا

رآه فـــرعـــون وقــــــال قــتــلـه
أولـــى فــلا نــدري يـكـون فـعـله

وزوجـــــه اســتــرقَّـت الــقـلـوبـا
لا تـقـتـلوه وارحــمـوا الـشُّـحـوبا

فـــإنـــه قـــــرة عــيــنـي هــهــنـا
نــرعــاه فــــي شــبـابـه يـنـفـعـنا

وبـحـثوا فــي الآن عـمن تـرضعه
فـرفـض الإرضــاع مـمن تـرضعه

وتــلـك حـكـمـة مـــن الله الـعـلي
فـــعــاد لـــــلأم بــنــوره الــبـهـي

فـأرضـعـتـه فـــي أمـــان ودعـــةْ
فـالـحمد لـلـه عـلى هـذي الـسعةْ

وعـاش مـوسى بينهم في القصر
مــبـاركـاً لــيـس بـــه مـــن ضـــر

وذا هــو الـحـفظ مـن الله الـعلي
كـما أتـى فـي الـذكر بـرهانا جلي

وإن مــوسـى يـومـه قــد خـرجـا
لـلـسوق حـتـى يـنظرنّ الـمخرجا

فــوجــد اثــنـيـن عــلـى صـــراع
قـــد احـتـواهـم غــضـب الـنـزاع

أولــهــم مـــن صـحـبـه والـثـانـي
مـن قـبط مـصرٍ جاء في المثاني

وحـيـنما اسـتـغاث مـوسى الأول
أجــــابـــه بـــســرعــةٍ يُـــهَـــرول

فــوكــز الـقـبـطـيَّ حــتـى قَـتَـلـه
واسـتـغـفر الله لــمـا قـــد فـعـلـه

وعـنـدهـا الأقـبـاط قــد تـجـمّعوا
وخـططوا لـقتل موسى اجتمعوا

فـخـاف مـوسـى راقـب الأحـوالا
واجـتـنـب الأســـواق والأمـــوالا

وجــاء مـن أقـصى الـمكان رجـل
يـنصح مـوسى يـخرجنْ ويـرحل

فــالـقـوم قــــد تــآمــروا لـقـتـلـه
وعـنـدها الـشخص مـضى لـشأنه

وقــد مـضـى مـوسـى بـعون الله
يــرجـو خــلاصـه مــن الـدواهـي

قـــد اسـتـعان بـالـمليك الأعـظـم
يـرجو الـنجاة مـن جـحيم الظُلَم

عاش سيدنا موسى بن عمران عليه السلام الابتلاءات منذ طفولته، حيث عاشت أمه الابتلاء الأول حيث ولد في زمن أمر فيه فرعون بقتل جميع الأولاد الذكور من بني إسرائيل، قال سبحانه:{ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِیَعࣰا یَسۡتَضۡعِفُ طَاۤىِٕفَةࣰ مِّنۡهُمۡ یُذَبِّحُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَیَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ }[سُورَةُ القَصَصِ: ٤]، وأمام هذا الإجرام من فرعون ألهم الله تعالى أم موسى سبيلا للمحافظة على طفلها مستعينة بالله تعالى الحافظ، فدعاها إلى إرضاعه خفية المرحلة الأولى من طفولته، ثم ألهمها الله تعالى أن تجعل ابنها في تابوت يحميه ورمته في اليم أي النهر موقنة بحفظ الله تعالى له، وطلبت من أخته أن تراقبه وتتابعه أين سيتوقف، مع اليقين أنه لن يذهب بعيدًا، فأبصرت بجنود فرعون وهم يلتقطونه، حيث أخذوه إلى فرعون، فلما رآه عزم على قتله غير أن عاطفة الأمومة تحركت في قلب امرأة فرعون، فطلبت منه عدم قتله رغبة في تربيته ورعايته، فاستجاب فرعون لطلبها، وحفظ الله الطفل موسى من القتل، وهنا وجد آل فرعون الحاجة داعية إلى البحث عن مرضعة لهذا الطفل، ولعله الأمر السائد عندهم في طلب المراضع لأطفالهم وقد يكون غير ذلك، وحاصل القول أن حكمة الله تعالى اقتضت ألا يتقبل موسى الرضاع إلا من أمه كما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى:{ ۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَیۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰۤ أَهۡلِ بَیۡتࣲ یَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَـٰصِحُونَ (١٢) فَرَدَدۡنَـٰهُ إِلَىٰۤ أُمِّهِۦ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ (١٣) [سُورَةُ القَصَصِ: ١٢-١٣]، فوصل أخيرًا إلى أمه كي ترضعه وترعاه، فكان هذا الابتلاء الكبير الذي بموسى وأمه وأهل بيته، قال سبحانه:{ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمِّ مُوسَىٰۤ أَنۡ أَرۡضِعِیهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَیۡهِ فَأَلۡقِیهِ فِی ٱلۡیَمِّ وَلَا تَخَافِی وَلَا تَحۡزَنِیۤۖ إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ (٧) فَٱلۡتَقَطَهُۥۤ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِیَكُونَ لَهُمۡ عَدُوࣰّا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا۟ خَـٰطِـِٔینَ (٨) وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَیۡنࣲ لِّی وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰا وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ }[سُورَةُ القَصَصِ: ٧-٩].
عاش موسى عليه السلام في بيت فرعون باعتباره أحد أفراد البيت، ولما بلغ مرحلة الشباب آتاه الله تعالى العلم والحكمة فضلا من الله سبحانه، قال سبحانه:{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ حُكۡمࣰا وَعِلۡمࣰاۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ }[سُورَةُ القَصَصِ: ١٤]، وفي هذا تهيئة ربانية للرسالة السماوية التي سيبعث الله تعالى بها رسوله ونبيه موسى عليه السلام، وتجدر الإشارة إلى أن سيدنا موسى من بني إسرائيل وفرعون وقومه من القبط، وكان يرافق فرعون أحيانا في خروجه وجولاته، وفي يوم من الأيام خرج موسى إلى السوق فوجد رجلان يتنازعان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط فاستغاث الذي من بني إسرائيل فانتبه موسى فأقبل عليهم وضرب القبطي بقبضة يده فكانت سببا في مقتله، فاستغفر الله تعالى موسى خوفا من الله تعالى أن يلحقه شيء من ذلك، فعندها عاش ابتلاء الخوف في المدينة، فعندها قرر الخروج فرارا منها وحماية لنفسه من الهلاك، قال سبحانه مبينا هذه الابتلاء:{ وَدَخَلَ ٱلۡمَدِینَةَ عَلَىٰ حِینِ غَفۡلَةࣲ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِیهَا رَجُلَیۡنِ یَقۡتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِیعَتِهِۦ وَهَـٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِی مِن شِیعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِی مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَیۡهِۖ قَالَ هَـٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوࣱّ مُّضِلࣱّ مُّبِینࣱ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّی ظَلَمۡتُ نَفۡسِی فَٱغۡفِرۡ لِی فَغَفَرَ لَهُۥۤۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِیمُ (١٦) فَأَصۡبَحَ فِی ٱلۡمَدِینَةِ خَاۤئِفࣰا یَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِی ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ یَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰۤ إِنَّكَ لَغَوِیࣱّ مُّبِینࣱ (١٨) فَلَمَّاۤ أَنۡ أَرَادَ أَن یَبۡطِشَ بِٱلَّذِی هُوَ عَدُوࣱّ لَّهُمَا قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ أَتُرِیدُ أَن تَقۡتُلَنِی كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِیدُ إِلَّاۤ أَن تَكُونَ جَبَّارࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِیدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِینَ (١٩) }[سُورَةُ القَصَصِ: ١٥-١٩]، وجاءه الخبر بعد ذلك بأن القوم يأتمرون ويتشارون في آلية قتله، فخرج من المدينة خائفا سائلا الله تعالى النجاة من القوم الظالمين، فنجاه الله تعالى بلطفه وكرمه، قال سبحانه:{ وَجَاۤءَ رَجُلࣱ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ یَسۡعَىٰ قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ یَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِیَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّی لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنۡهَا خَاۤئفࣰا یَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِی مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٢١) }[سُورَةُ القَصَصِ: ٢٠-٢١].

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.