سلسلة مقالات من وحي الطوفان ( الحلقة الثانية)

د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٤)
النبي يونس عليه السلام

ومـن عـظيم الابـتلا فـي الـذكر
قــصـة ذا الــنـون الـنـبـي الـبـر

أعـني بـه يـونس حـيث أرسـلا
لـنـينوى يـدعـو لـربي ذي الـعلا

دعـاهم قـال انـبذوا الأصـنام لا
تـجدي لـكم نـفعا بـأرض والفلا

فــكّـذبـوه وتــمــادَوا ومــضــى
يـدعـوهم لـلـه ربــي الـمرتضى

وبــعـدهـا أدرك مــنـهـم نَـصَـبـا
ووجـــد الــيـأس كــذاك الـتـعبا

فـغـادر الـقـوم بـنـفس غـاضـبة
خـذرهم مـن هـول تلك العاقبة

ثـم اسـتقر عـند شاطيءْ البحر
والـموج يـعدو نحوه بل يجري

وركــــب الـبـحـر بـــلا انـتـظـار
لــعـلـه يــرتــاح فـــي الأســفـار

لـكـنـها الــريـاح كــانـت عـاتـيهْ
لــذاك فـالأمـواج كـانـت عـالـيهْ

قــال الـرئـيس دونـكـم قــراري
عـقـوبـة الـمـذنب فــي الـبـحار

نـرمي بـه فـي الـبحر فـالإبحار
لا يـسـتـقيم هــكـذا فـاخـتاروا

قـالـوا اقـتـراع بـين كـل الـقوم
ومـــن أتـــى نـرمـيه دون لــوم

فـاقـترعوا وكــان اسـم يـونس
فـاندهشوا وكـان خـير المؤنس

فــقـفـز الــنـبـي نــحــو الـبـحـر
مــعـتـقـدا خـــلاصــه بـالـخـيـر

والـتـقم الـحـوت الـنبي يـونسا
والـذكـر كـان حـصنه والـمؤنسا

وعاش في الظلمة في الأسحار
وظـلـمـة الـبـطـن كـــذا الـبـحار

وبــعـدهـا ألــقـي فـــي الــعـراء
بـشـاطـيء الـبـحر مــع الـهـواء

وأنــبــت الله مــــن الـيـقـطـين
مــا كــان عـونـا لـلنبيْ الـفطين

فـسـتـر الـجـسـم وقــوى بـدنـه
وذاك فـضـل لـلـقلوب الـمـؤمنة

وحـيـنما اشـتد الـقوام والـبدن
مـضى إلى القوم هناك في علن

فــوجـد الــقـوم عـلـى الإيـمـان
فـالـحـمد لــلـه عــلـى الـغـفران

هو النبي يونس بن متى الملقب بـ( ذا النون)، وقد بعثه الله تعالى إلى أهل نينوى، المعروفة بأرض الموصل بالعراق، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وترك عبادة الأصنام، فقابلوا دعوته بالتكذيب والتمادي في عبادة الأصنام، فلم ييأس، وظل يدعوهم أكثر من ثلاثين سنة مستخدما صورا متعددة للدعوة إلى الله تعالى، فكان هذا هو الابتلاء الأول الذي واجهه وهو عدم استجابة قومه لدعوته، وسعيهم في إيذائه، فصبر مبتغيا ثواب الله تعالى مجتهدا في إبلاغ الرسالة، فآمن من قومه عدد بسيط جدا، واحتواه الغضب بعد ذلك بسبب عدم الاستجابة لدعوته ووعدهم بعذاب من الله تعالى بعد ثلاثة أيام، وخرج من القرية متجها نحو شاطيء البحر، فوجد سفينة تستعد للإبحارفطلب مرافقهم في رحلتهم فوافقوا على ذلك حينما رأوا فيه الصلاح والخير، فلما توسطوا البحر جاءت رياح شديدة وارتفعت أمواج البحر، فقالوا إن فينا مذنبا فلا بد من معرفته ورميه في البحر، فقرروا ضرب القرعة، فخرجت القرعة على النبي يونس عليه السلام في المرة الأولى فأبوا أن يرمونه في البحر ، وحينما عاودوا الاقتراع في المرتين الثانية والثالثة خرج اسم يونس فأبوا أن يرمونه أيضا فقرر عندها يونس عليه السلام أن يقفز في البحر موقنا أن الله تعالى سينجيه ويحفظه، فكان هذا هو الابتلاء الثاني له، وهنا بدأ الابتلاء الثالث العظيم، فما هي قصة الحوت؟
نعود قليلا إلى قوم يونس الذين خرج عنهم غاضبا لتكذيبهم دعوته ووعدهم بالعذاب، فقد خيمت على القوم بعد أيام من خروجه عليه السلام سحبا كثيرة سوداء فيها العذاب الأليم، فلما أيقنوا الهلاك من عذاب الله تعالى بحثوا عن يونس فلم يجدوا له أثرا ووجدوا شيخا كبيرا في السن فسألوه عما يجب عليهم فعله فأرشدهم إلى طريق التوبة إلى الله تعالى، فجمعوا رجالهم ونساءهم ، صغيرهم وكبيرهم، وكل ما يملكون من المواشي ولبسوا ثيابا من الشعر خضوعا وتذللا لله تعالى وتابوا عن معاندتهم وتكذيبهم، فاستجاب الله تضرعهم وتاب عليهم، قال سبحانه:{ فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡیَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَاۤ إِیمَـٰنُهَاۤ إِلَّا قَوۡمَ یُونُسَ لَمَّاۤ ءَامَنُوا۟ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡیِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَتَّعۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ حِینࣲ }[سُورَةُ يُونُسَ: ٩٨]، أما يونس عليه الصلاة والسلام فحينما قفز من البحر ابتلعه حوت عظيم في البحر، فمكث في بطنه ثلاثة أو سبعة أيام ابتلاء واختبارا من الله تعالى، فظل في بطنه ذاكرا لله تعالى، يرافقه الاستغفار والتسبيح والتحميد، ونادى ربه في الظلمات الثلاث التي عاشها، ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل قائلا: ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، فاستجاب الله نداءه، وأمر الحوت أن يقذفه على شاطيء البحر، وهذا من أسرار التسبيح والاستغفار، فقد كان هو المفتاح الحقيقي للخروج من هذه المحنة، فلولا ذلك للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث، كما جاء في القرآن الكريم، فخرج منه منهكا متعبا من ذلك في شاطيء تضربه الشمس الحارقة فصبر ابتغاء مرضاة الله تعالى، فكان هذا هو الابتلاء الرابع، قال سبحانه:قال سبحانه: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبࣰا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَیۡهِ فَنَادَىٰ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنتَ سُبۡحَـٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٨٧) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّیۡنَـٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نُـۨجِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ (٨٨) }[سُورَةُ الأَنبِيَاءِ: ٨٧-٨٨]، قال تعالى:{ وَإِنَّ یُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ (١٣٩) إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِینَ (١٤١) فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِیمࣱ (١٤٢) فَلَوۡلَاۤ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِینَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِی بَطۡنِهِۦۤ إِلَىٰ یَوۡمِ یُبۡعَثُونَ (١٤٤)[سُورَةُ الصَّافَّاتِ: ١٣٩-١٤٤].
ألقى الحوت يونس عليه السلام على الشاطيء في أرض ليس فيها زرع ولا شجر، وكان جسمه هزيلا نحيلا بسبب ما وجده من حرارة بطن الحوت، فحفظه الله تعالى وأنبت سبحانه شجرة اليقطين التي غطت جسد سيدنا يونس بأوراقها الكبيرة المعروفة، وغذته بثمارها الطيبة، فسترته وأكل منها حتى تحسنت حالته، ولله الحمد والمنة، فرجع إلى قومه الذين كانوا متشوقين إلى لقائه، فوجدهم قد آمنوا بالله تعالى، فحمد الله تعالى على ذلك، قال تعالى:{ ۞ فَنَبَذۡنَـٰهُ بِٱلۡعَرَاۤءِ وَهُوَ سَقِیمࣱ (١٤٥) وَأَنۢبَتۡنَا عَلَیۡهِ شَجَرَةࣰ مِّن یَقۡطِینࣲ (١٤٦) وَأَرۡسَلۡنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ یَزِیدُونَ (١٤٧) فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعۡنَـٰهُمۡ إِلَىٰ حِینࣲ (١٤٨) }
[سُورَةُ الصَّافَّاتِ: ١٤٥-١٤٨].

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.