بقلم: خميس بن علي الهنداسي
في ولاية السويق يقف جامع غليل الهناديس شاهدًا على تاريخ طويل من العبادة والاجتماع، حيث لم يكن المسجد مجرد مكانٍ للصلاة فحسب، بل كان منذ نشأته الأولى نقطة التقاء لأهل المنطقة، ومعلمًا دينيًا ارتبط بذاكرة أجيالٍ متعاقبة.
تعود البدايات الأولى لهذا الجامع إلى الجد علي بن حكيم بن مانع بن سعيد الهنداسي رحمه الله، الذي وضع اللبنة الأولى للمسجد، وكان يُعرف في ذلك الوقت باسم مسجد علي بن حكيم نسبة إليه، وتشير التقديرات التاريخية إلى أن تأسيسه يعود تقريبًا إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي)، حين كان المسجد الوحيد في تلك الناحية، فكان الناس يقصدونه لأداء الصلاة من القرى والمناطق المجاورة، ليجتمعوا فيه على العبادة والتآلف.
ومع مرور الزمن وازدياد عدد السكان، أعيد بناء المسجد على يد الوالد حمد بن جمعة الرزيقي رحمه الله، وذلك قرابة عام ١٣٩٧هـ – ١٩٧٧ م، في خطوة هدفت إلى تجديد المسجد والمحافظة على دوره في خدمة المصلين، ليستمر هذا البيت المبارك في أداء رسالته الدينية والاجتماعية.
أما البناء القائم اليوم، فقد شُيّد بفضل الله ثم بدعم كريم من الشيخ أحمد بندوق القمزي رحمه الله، من إمارة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، وقد كان لهذا الرجل الكريم يدٌ بيضاء في إعمار هذا المسجد، حيث بادر بتمويل بنائه ابتغاءً لوجه الله، فكان عطاؤه مثالاً للعطاء الصادق والعمل الخيري الذي يبقى أثره ما بقيت الصلاة تُقام في هذا المكان.
لقد كان دعم الشيخ أحمد القمزي رحمه الله صورة مشرقة من صور التعاون بين أبناء الخليج، وتجسيدًا لمعاني البذل في عمارة بيوت الله، فكم من مصلٍ وقف بين جدران هذا الجامع رافعًا يديه بالدعاء، وكم من قارئٍ للقرآن تعالت تلاوته في أركانه، وكل ذلك في ميزان حسنات من أسهم في بنائه، فالصدقة الجارية تبقى آثارها ممتدة ما دامت العبادة قائمة، وما دام هذا المسجد عامرًا بالمصلين.
وقد جاء هذا المشروع بجهود المرحوم الوالد جمعة بن سليمان الهنداسي رحمه الله الذي سعى في إحضار هذا الدعم وتابع إجراءات البناء، وتولى وكالة الجامع آنذاك، بينما قام بتنفيذ المشروع المقاول مبارك بن سعيد الكيومي، ليظهر الجامع بالشكل الذي هو عليه اليوم، وفي الوقت الحاضر يتولى وكالة الجامع الفاضل محمد بن جمعة بن سليمان الهنداسي، ويعاونه كوكيلٍ ثانٍ العم جمعة بن محمد بن عبدالله الهنداسي، في مواصلة هذا الدور المبارك في خدمة بيت الله ورعاية شؤونه.
وعلى مر السنين تعاقب على منبر الجامع عدد من الخطباء الذين كان لهم دور في توجيه الناس وتعليمهم أمور دينهم، وكان أول خطيب فيه الجد جميل بن سالم الهنداسي رحمه الله، ثم تلاه ابنه سالم بن جميل الهنداسي رحمه الله، ثم خميس بن سالم الهنداسي رحمه الله، ثم جميل بن خميس الهنداسي، كما خطب في الجامع عدد من أهل العلم والفضل، منهم الوالد السهي رحمه الله من منطقة ضيان، وكذلك الشيخ عبدالله بن حمد الكتبي حفظه الله ويتولى اليوم الإمامة والخطابة في الجامع الشيخ مصبح بن مبارك الهنداسي حفظه الله.
أما الأذان الذي ظل يصدح من مئذنة الجامع لسنوات طويلة، فقد تعاقب عليه عدد من المؤذنين، منهم سعيد بن سيف الهنداسي (العور) رحمه الله، والحاج عبدالله بن خادوم الهنداسي رحمه الله، والحاج محمد بن علي الهنداسي رحمه الله، ويقوم بالأذان في الوقت الحاضر الوالد جمعة بن محمد الهنداسي.
كما تعاقب على إمامة الجامع عدد من الأئمة الذين خدموا هذا المكان المبارك، من بينهم الحاج عبدالله بن محمد بن عبدالله الهنداسي رحمه الله، والوالد ناصر بن سليمان بن زايد الكيومي رحمه الله، وغيرهم ممن كان لهم دور في استمرار رسالة المسجد.
ولم يقتصر دور الجامع على إقامة الصلوات وخطب الجمعة فحسب، بل أصبح كذلك مركزًا للأنشطة الدينية والاجتماعية، حيث تُقام فيه حلقات الذكر، ومسابقات حفظ القرآن الكريم، وعدد من البرامج والمناسبات الدينية التي يحرص عليها أهالي المنطقة، مما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بالمسجد ويغرس فيهم روح العلم والعبادة.
وفي هذه الأيام، يزداد الحديث عن الجامع مع زيارة كريمة قامت بها عائلة الشيخ أحمد بندوق القمزي رحمه الله من إمارة أبوظبي ممثلًة في إبنه البار محمد بن أحمد القمزي، للاطلاع على الجامع وبحث إمكانية تجديد بنائه وتطويره، وهي بادرة تحمل في طياتها معاني الوفاء لعمل والدهم، واستمرارًا لنهج الخير الذي عُرف به رحمه الله، فما أعظم أن يرى الإنسان أثر عمله الخيري باقيًا بعد رحيله، وما أجمل أن يستمر الأبناء على خطى الآباء في دعم أعمال الخير وعمارة بيوت الله، لتبقى هذه المساجد شاهدة على صدق العطاء وامتداد الأجر.
وهكذا يبقى جامع غليل الهناديس أكثر من مجرد بناء؛ فهو صفحة من تاريخ المكان، وذاكرة حيّة لأهل المنطقة، وبيت من بيوت الله تعاقبت على خدمته أجيال من الرجال الذين حرصوا على أن يبقى منارةً للعبادة والاجتماع والتآلف بين الناس.
نسأل الله أن يتغمد بواسع رحمته كل من أسهم في بناء هذا الجامع وخدمته، وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يبارك في كل من يسعى إلى عمارة بيوت الله وإحيائها.




