من وحي الطوفان (٣) ( الحلقة الثانية)

د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي ابتلاء الأنبياء والمرسلين(١٣) النبي أيوب عليه الصلاة والسلام

ومـن عـظـيم الابـتـلا فـي الـذكر
مـــا عـاشـه أيــوب أهــل الـخـير
وهــو الـنـبي الـمجتبى ذو الـهِمّة
عــبــدٌ تـــقــيٌّ شـــاكــرٌ لـلـنـعـمة
ويـرحــم الـمـسـكـين والـفـقـيـرا
يــســاعـد الــكـبـيـر والـصـغـيـرا
يــعـيـن ذا الــحـاجـة والأرامـــلا
ولا يـــــــرد طـــالــبــاً وســـائـــلا
وعــاش والإصــلاح بـيـن الـناس
مـنـهـجـه جــــاء بــــلا الــتـبـاس
رزقــــه الله الــقـبـول والــرضــى
وكـان بـين الـناس عـبداً مرتضى
قـــــد ابـــتــلاه الله بــالأمــراض
والـجسم كـم عانى من الأعراض
فــصـبـر الــنـبـي أيــــوبٌ عــلــى
مـــا مـسّـه مــن ضــررٍ ومــا قَــلا
هــجـره الــنـاس جـمـيـعا فـصـبر
وزوجــــه قــائـمـة بــــلا ضــجــر
وفـــــقـــــد الأولاد بـــالــمــمــات
ذي ســـنــة الله بــــذي الــحـيـاة
تـفـرقـت أمـوالـه فـــي حـاجـتـه
فــهــذه مــلامــح مــــن مِـحـنـته
فــعـاش والـصـبـر بـــلا نـسـيـان
لــلـه كـــم يــرجـوه فــي إمـعـان
وحـيـنما اشـتـدت عـلـيه الـحـالَهْ
نــادى الـلـطـيف يـبـتـغي نــوالَـهْ
وقــال ربـي مـسّـني الـضُّـرُّ ومــا
أستطيع صبراً فارحمنّ ما وما(١)
فـعـندها اسـتـجاب ربــي لـلدعاء
وعــوّض الـنـبـيّ خــيـراً أوسـعـا
شــفـاه مــن كـــل ابــتـلاء كــانـا
فــعـاش فـــي صـحـتـه فـرحـانـا
وزوجـــــه الــصــابـرة الــوفــيَّـهْ
قــد أشـرقـت فــي صــورةٍ بـهِيَّهْ
وأنـــعَــم الله عــلـيـهـم بــالــولـدْ
أعـطـاهم الـمـال ورزقــاً لا يُـحـدْ
فـشــكـروا الله عـــلــى إنــعـامـه
وحـــمــدوا الله عــلــى إكــرامــه
….
(١) ما أصابني، وما أهمّني من المرض والفقد للأولاد والأموال.

الحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان المبارك بالخير، وأسأله سبحانه التوفيق والسداد، حيث يستمر -بتوفيق الله تعالى وتيسيره- الوقوف عند هذه السلسلة التي ابتدأتها شهر رمضان المبارك ١٤٤٦م بعنوان: من وحي الطوفان، وها نحن اليوم نتوقف عند صورة من صور ابتلاء الأنبياء والمرسلين مع سيدنا أيوب عليه السلام، فما هي أبرز سيرته صلى الله عليه وسلم؟ وما هي الابتلاءات التي ابنلاه الله تعالى بها؟ وكيف كان موقف النبي عليه السلام منها؟

عاش النبي أيوب عليه السلام يرفل في نعم الله تعالى عليه بين أهله وأولاده وأمواله التي رزقه الله تعالى إياها، مستشعرا نعم الله تعالى عليه، شاكرا لله، مساعدا ومعينا للفقير والمحتاج في كل مجال من مجالات الحياة بما يستطيعه.
تلقى النبي أيوب الوحي من الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم، ولكنه لم تتم الإشارة إلى بعثته، قال سبحانه:{ ۞ إِنَّاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ كَمَاۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ نُوحࣲ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِیسَىٰ وَأَیُّوبَ وَیُونُسَ وَهَـٰرُونَ وَسُلَیۡمَـٰنَۚ وَءَاتَیۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورࣰا }[سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٦٣]، وكان دينه توحيد الله تعالى والإصلاح بين الناس، فعاش بين الناس عزيزا كريما موحدا لله تعالى مصلحا بين الناس، محبا للخير.
ابتلى الله تعالى عبده أيوب عليه السلام بابتلاءات امتحانا واختبارا فابتلاه بالأمراض وفقد الأولاد فصبر مبتغيا الأجر والثواب منه سبحانه وتعالى، وحينما ضعف حاله، واشتد عليه الأمر، وقف أمام هذه الابتلاءات متوجها إلى الله تعالى بالسؤال للتخفيف عنه، وتفريج همومه بذلة وخشوع وتواضع بين يدي الله اللطيف الرحيم، قال سبحانه:{ ۞ وَأَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ (٨٣) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرࣲّۖ وَءَاتَیۡنَـٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَـٰبِدِینَ (٨٤) }[سُورَةُ الأَنبِيَاءِ: ٨٣-٨٤]، وقال سبحانه: { وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَاۤ أَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ بِنُصۡبࣲ وَعَذَابٍ (٤١) ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَـٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدࣱ وَشَرَابࣱ (٤٢) وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةࣰ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ(٤٣) وَخُذۡ بِیَدِكَ ضِغۡثࣰا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَـٰهُ صَابِرࣰاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥۤ أَوَّابࣱ }
[سُورَةُ صٓ: ٤١-٤٤]
فيظهر من هذه الآيات الكريمات أن أيوب عليه الصلاة نادى ربه بأن مسه الضر، وهنا إجمال يدخل فيه الضرر النفسي والبدني والمادي الذي عاشه أيوب عليه السلام مقرا بأن الله تعالى هو أرحم الراحمين ، فاستجاب الله تعالى لندائه، وأجاب تضرعه تكريما له على صبره، وعوضه الخير، حيث شفاه وعافاه من مرضه وبارك له في زوجه، ورزقه الولد والمال ، وغيرها من الخيرات والبركات رحمة من الله تعالى، وتكريما لنبيه أيوب العابد الصابر صلى الله عليه وسلم.
هذه وقفة سريعة مع أيوب عليه الصلاة والسلام العابد الزاهد الشاكر الصابر ، الذي أكرمه الله تعالى باستجابة الدعاء وكشف البلاء، والراحة والسعادة بعد ذلك حتى توفاه الله تعالى. فعلينا أن نجتهد في العبادة والإصلاح بين الناس والبذل في سبيل الله تعالى والصبر على البلاء نجد الجزاء الأوفى من الله تعالى، قال سبحانه:{ قُلۡ یَـٰعِبَادِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِینَ أَحۡسَنُوا۟ فِی هَـٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣱۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَ ٰ⁠سِعَةٌۗ إِنَّمَا یُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَیۡرِ حِسَابࣲ }
[سُورَةُ الزُّمَرِ: ١٠].
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واغفر لنا ولجميع المسلمين واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين، والطف اللهم بأهل غزة وفلسطين خاصة وبالمؤمنين عامة، وارحمنا برحمتك الواسعة. آمين يا رب العالمين.