بقلم: سليمان بن حمد العامري
من المعلوم أن شهر رمضان هو شهر الرحمة والعتق من النار، حيث تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان للمؤمنين المتقين. تتنزل فيه الرحمات، وتضاعف الحسنات، وتمحى السيئات. إنه شهر أودع الله فيه من الفضائل والخير ما لم يُودعه في غيره من الشهور، بعلمه وحكمته ورحمته بعباده.
وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، عن ربه عز وجل أنه قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. يبين هذا الحديث عظم فضل الصيام ومكانته، وأنه عبادة خالصة بين العبد وربه، لا يعلم حقيقتها إلا الله. ولذلك فقد نسبها الله إليه تشريفًا وتعظيمًا، مع أن جميع العبادات هي له سبحانه، لكنه خص الصيام بهذه المنزلة إظهارًا لفضله، وسعة أجره، وعظيم رحمته بعباده.
إن الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى عبادتنا، لكنه شرعها رحمةً بنا، وتطهيرًا لقلوبنا، ورفعًا لدرجاتنا، ونجاةً لنا من النار.
وفوق كل هذه الفضائل، فقد خص الله هذا الشهر بليلة عظيمة، هي أعظم ليلة في الزمان، ألا وهي ليلة القدر، التي قال الله عنها في القرآن الكريم: ﴿ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر﴾. أي إن العبادة فيها خير من عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة، وهي مدة قد لا يبلغها كثير من الناس. فجعلها الله رحمةً لهذه الأمة، ليمنحها فرصة عظيمة لنيل أجرٍ يعادل أعمارًا طويلة من الطاعة. فيها تتنزل الملائكة بالرحمة، وتعم السكينة، ويُكتب الخير لمن أقبل على ربه بقلب صادق.
بعد معرفة كل هذا الفضل، أتعجب من بعض الناس الذين تراهم كأنهم متضجرين من رمضان، يعدون أيامه وكأنها عبء عليهم. فيقول أحدهم: لقد سقط يوم، أو مضى أسبوع ما بقى إلا القليل، وكأنه ينتظر الفرج.
أفلا ينبغي أن نتمنى بقاءه، لا انقضاءه؟ أفلا ينبغي أن نفرح بوجوده، لأنه فرصة عظيمة قد لا تتكرر؟
إن رمضان ليس عبئًا على المؤمن، بل هو هدية من الله، وفرصة لتطهير النفس، وتجديد الإيمان، والتقرب إلى الرحمن. وقد وصف الله أيامه بقوله: ﴿أيامًا معدودات﴾، أي إنها قليلة وسريعة الانقضاء، فلا ينبغي أن نفرح بذهابها، بل ينبغي أن نغتنمها قبل أن ترحل.
ومع ذلك، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ،أن للصائم فرحتين، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم: للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه. الفرحة الأولى تكون عند فطره، لأنه أتم عبادةً، وأطاع ربه، ووفّقه الله لإتمام طاعته. أما الفرحة الثانية، فهي أعظم وأبقى، حين يلقى ربه، فيجد أجر صيامه مدخرًا له، فيفرح فرحًا لا يزول.
فيا أيها العبد الصائم، رمضان ليس أيامًا نتخلص منها، بل هو أيام نتزود منها. ليس زمنًا ينتظر انقضاؤه، بل موسمٌ تُطلب فيه الرحمة والمغفرة والنجاة. إن العبد الصادق لا يفرح بانتهاء الطاعة، بل يفرح بأن الله وفقه إليها، ويحزن لفراق مواسم الخير، ويتمنى أن يكون عمره كله طاعةً وقربًا من الله.
فاغتنم رمضان، وأحب أيامه، وأحي لياليه، فلعل رمضان هذا يكون شاهدًا لك، لا عليك، ولعل ليلة القدر فيه تغير مصيرك إلى الأبد.



