دعبل الخُزاعي… حين تصبح القصيدة مطاردة

لم يكن دعبل بن علي الخُزاعي شاعرًا يبحث عن المجد، بل رجلًا آمن أن الكلمة موقف، وأن الشاعر إن صمت خان قصيدته.

عاش في زمن العباسيين، حيث السيف حاضر، والقصور عامرة، لكن الحقيقة غائبة، فاختار أن يكون صوته عاليًا ولو دفع ثمنه عمره كله.

كان يدرك خطورة ما يقول، ومع ذلك لم يتراجع، وقد لخّص حياته كلها في قوله الشهير:
أحملُ خشبتي على كتفي
ولا أبالي متى أُصلَبُ

لم يكن هذا البيت مجازًا شعريًا، بل وصفًا دقيقًا لحاله؛ فقد عاش مطاردًا من مدينة إلى مدينة، لا يستقر طويلًا، لأن هجاءه كان يصيب الخلفاء والولاة في الصميم، لا يجمّل ولا يداور.

وعندما وقف بين يدي الإمام علي بن موسى الرضا، لم يُنشده مدحًا ولا تكسّبًا، بل أنشد قصيدته التائية، وكأنها صرخة تاريخٍ كامل:
مدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تلاوةٍ
ومنزلُ وحيٍ مُقفِرُ العرصاتِ

كان يبكي وهو يلقيها، وبكى الإمام ومن حضر، لأن القصيدة لم تكن شعرًا فقط، بل شهادةً على الظلم والنسيان، ثم تابع دعبل كاشفًا الجرح بلا مواربة:
أرى فيئَهم في غيرِهم مُتَقَسِّمًا
وأيديهم من فيئِهم صِفْراتِ

بهذه الأبيات، لم يترك دعبل لنفسه مهربًا، فقد قال ما لا يُقال، وسمّى الأشياء بأسمائها، فعرف أن نهايته لن تكون على فراش.

وكان يرى الناس من حوله بعينٍ ناقدة، لا تنخدع بالمظاهر، فقال بيته الذي صار مثلًا:
ما الناسُ إلا مع الدنيا وصاحبُها
فكيفما انقلبتْ يومًا به انقلبوا

وكان دعبل يدرك أن نهايته لن تكون طبيعية؛ فالشاعر الذي يطعن بالكلمة في زمن السيف، لا بد أن يُطعن، وصدق حدسه؛ إذ اغتاله رجل في الأهواز، قيل إنه طعنه بسيفٍ مسموم، وقيل بحديدة، فسقط دعبل صريعًا بعيدًا عن أهله وموطنه

وهكذا ظلّ دعبل شاعرًا في حالة فرار دائم، لا يطارده ذنب، بل تطارده قصيدته، حتى أدركه القتل بعيدًا عن أهله، فسقط كما عاش: صادقًا، وحيدًا، وفيًّا للكلمة.

مات دعبل الخزاعي، لكن قصيدته بقيت حيّة، تُذكّر بأن أخطر ما يمكن أن يحمله شاعر… ليس سيفًا، بل بيت شعر صادق.