بقلم: نورة الدرعية
لا بد للإنسان من وقت لاخر أن يتوقف عن المقاومة، أن يضع أثقاله جانبًا ولو للحظة، لا هربًا من الحياة بل إنصافًا للنفس، فالسير الدائم بلا استراحة لا يدل على قوة بل تجاهل مرهق لما يحتاجه القلب والعقل معًا، نحن لا نخلق لنكون في سباق دائم، ولا لنبقى متيقظين حد الإنهاك، بل لنعيش بتوازن يسمح لنا أن نلتقط أنفاسنا حين تضيق المسافات في داخلنا.
الاستسلام لا يعني الهزيمة، بل هو شكل ناضج من الوعي، أن تعترف بأنك تعبت وأنك بحاجة الى أن تجلس قليلاً، أن تتنهد دون تبرير وأن تصمت دون أن تشعر بالذنب، كثيرًا ما نجبر أنفسنا على الاستمرار لأننا نخشى أن يساء فهمنا، أو اعتدنا ربط التوقع بالضعف، بينما الحقيقية أن التوقف أحيانًا هو ما ينقذنا من الانكسار.
نحتاج أحيانًا أن نرى الحياة تمر من أمامنا كأنها لا تعنينا، أن نكون مجرد مشاهدين لا أبطالاً، في كل المشاهد، أن نراقب الأيام وهي تتوالى دون أن نقحم أنفسنا في صراع مع كل تفصيلة، هذا الحياد المؤقت يمنح الروح فرصة لترتيب فوضاها، ويمنح القلب فسحة ليفهم ما الذي أنهكه فعلاً، وما الذي يستحق أن نعود لأجله أقوى.
أن تستلم قليلاً يعني أن تتصالح مع كونك بشراً لا آلة، أن نقبل بأن بعض المعارك لا تحسم اليوم، وأن بعض الأسئلة لا تحتاج جوابًا الآن، يعني أن تؤجّل أن تؤخّر أن تقول: ليس في هذه اللحظة، وهذا بحد ذاته شجاعة، لأنك تختار سلامك الداخلي على إرضاء كل شيء من حولك.
وحين تعود بعد هذه الاستراحة، تعود مختلفًا أخفّ، أوضح، وأكثر قدرة على الاختيار تعود لأنك أردت، لا لأنك أُجبرت، تعود لأنك فهمت أن الحياة لا تُقاس بعدد المرات التي صمدت فيها بل بقدرتك على أن تحافظ على نفسك حيّة من الداخل.
ثمّة جمال خفيّ في تلك اللحظات التي نخفّف فيها قبضتنا عن الأشياء حين نتوقّف عن محاولة السيطرة على كل ما يحدث، ونترك بعض التفاصيل تمضي كما تشاء في هذا التخفّي المؤقّت من ضجيج التوقّعات نكتشف أن كثيرًا مما أتعبنا لم يكن أثقل من خوفنا من فقدانه وحين نهدأ تتضح لنا الفروق بين ما نحتاجه فعلًا، وما تعلّقنا به فقط لأننا اعتدنا وجوده.
كما أن الاستسلام القليل يعلّمنا الإصغاء لأنفسنا قبل الآخرين لأسئلتنا المؤجلة ولمشاعر تجاهلناها طويلًا بحجّة الانشغال في لحظات الراحة الصادقة نسمع صوتنا الداخلي بوضوح أكبر، ونعرف إلى أين نريد أن نتجه لاحقًا ومن نرغب أن نكون وما الذي لم يعد يناسبنا في الطريق فالتوقّف ليس نهاية المسار بل إعادة توجيه هادئة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في خطواتنا القادمة.
في النهاية لا بأس أن نستسلم قليلًا… أن نستريح أن نتنهّد أن نترك الحياة تمر أمامنا دون مقاومة، فبعض الراحة ليست انسحابًا، بل استعداد صامت للعودة بشكلٍ أصدق وأقوى وأكثر إنسانية.





