شرار القلب


بقلم : ناصر الشـرجـي

تَدَاوَيْتُ مِنْ عَهْدٍ بِعَهْدٍ عَنِ الْهَوَى
كَمَا يَتَدَاوَى شَارِبُ الْخَمْرِ بِالْخَمْرِ

أَلَا زَعَمَتْ عَهْدٌ بِأَنِّي لَا أَهْوَاهَا
بَلَى وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ

بَلَى وَالَّذِي لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ
بِقُدْرَتِهِ تَجْرِي السَّفَائِنُ فِي الْبَحْرِ

بَلَى وَالَّذِي نَادَى مِنَ الطُّورِ عَبْدَهُ
وَعَظَّمَ أَيَّامَ الذَّبِيحَةِ وَالنَّحْرِ

لَقَدْ فَضَّلْتُ عَهْدًا عَلَى النَّاسِ مِثْلَمَا
عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ فُضِّلَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ
* ( اقتباس من أبيات قيس بن الملوح )

يَا مَنْ سَعَوْا بِالْوِشَايَةِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا .. أَمَا تَخْشَوْنَ اللَّهَ فِيمَا تَقُولُونَ؟ أَمَا يَرْدَعُكُمْ دِينٌ، وَلَا يَنْهَاكُمْ خُلُقٌ؟ أَلَا يَكْفِيكُمْ خَوْفُ اللَّهِ لِتَكُفُّوا عَنْ أَذَاكُمْ.. أَمْ صَارَ الْكُفْرُ طَبْعًا لَا تَنْفَكُّونَ عَنْهُ؟

أُقْسِمُ بِاللَّهِ الَّذِي صَلَّتْ لَهُ قُرَيْشٌ،
وَقَدَّمَتْ لَهُ الْقَرَابِينَ فِي مِنًى أَيَّامَ الْحَجِّ، وَحَلَقَتْ رُؤُوسَهَا صَبَاحَ الْعَاشِرِ بَعْدَ تَمَامِ الْمَنَاسِكِ، أَنَّهَا عِنْدِي طَاهِرَةٌ، عَفِيفَةٌ، بَرِيئَةٌ.

لَقَدْ أَصْبَحَتْ عَهْدٌ فِي نَفْسِي مَصُونَةً، لَا يُلَوِّثُهَا ظَنٌّ، وَلَا يَمَسُّهَا اتِّهَامٌ، مُنَزَّهَةً عَنِ الْفُحْشِ وَالْمُنْكَرِ، مِنَ الْحَرَائِرِ الْبِيضِ الْعَفِيفَاتِ اللَّاتِي لَا يَعْرِفْنَ الْخَنَا وَلَا يَقْتَرِبْنَ مِنْهُ، لَا تُرَى لَيْلًا فِي رِيبَةٍ، وَلَا يُسْمَعُ عَنْهَا سُوءٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا تُعْرَفُ فِي مَوَاطِنِ اللَّهْوِ وَلَا الْفِتْنَةِ.

هِيَ نَقِيَّةُ الْخُلُقِ، مُشْرِقَةٌ كَالشَّمْسِ فِي صَفَاءِ نَهَارِهَا، نَاعِمَةُ الْعَيْشِ، لَمْ تَخْطُ خَارِجَ سِتْرِهَا، وَلَا تَجَاوَزَتْ حَدَّ الْحَيَاءِ، هِيَ بَدْرُ الْجَمَالِ، وَسَائِرُ النِّسَاءِ نُجُومٌ، وَمَا أَبْعَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبَدْرِ وَالْكَوَاكِبِ.

يَقُولُونَ عَنِّي: مَجْنُونٌ هَائِمٌ بِذِكْرِهَا، وَوَاللَّهِ مَا بِي جُنُونٌ وَلَا مَسٌّ مِنْ سِحْرٍ، وَلَكِنَّ شِعْرِي يَأْبَى أَنْ يَجْرِي إِلَّا وَاسْمُهَا حَاضِرٌ فِيهِ، وَيَأْبَى قَلْبِي أَنْ يُطَاوِعَنِي إِنْ حَاوَلْتُ نَظْمَ الشِّعْرِ فِي غَيْرِهَا.

فَلَا طَابَ لِي عَيْشٌ بَعْدَهَا، وَلَا رَغِبْتُ فِي حَيَاةٍ إِنْ غَابَتْ عَنِّي، وَلَوِ امْتَدَّ الْعُمُرُ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ، عَلَيْهَا سَلَامُ اللَّهِ مِنْ عَاشِقٍ مُتَيَّمٍ، أَرْهَقَتْهُ الْهَوَاجِسُ، وَأَضْنَاهُ التَّفْكِيرُ.

رَحِمَ اللَّهُ أَيَّامًا عِشْنَاهَا لَا تَعُودُ،
وَسَقَى زَمَنَ الْعُوَيْسِيَّةِ خَيْرَ السُّقْيَا، لَيَالِيَ سَلَّمْتُ فِيهَا زِمَامَ أَمْرِي لِلَّهْوِ، فَمَرَّتِ اللَّيَالِي وَالسِّنُونُ وَأَنَا غَافِلٌ عَنْ عَدِّهَا.

لَقَدْ عِشْتُ زَمَنًا، لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَاةٍ خَالِدَةٍ، لَاخْتَرْتُ تِلْكَ السَّاعَاتِ مَعَهَا، وَقُلْتُ: دَعُونِي أَلْقَهَا مَرَّةً أَخِيرَةً، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْوُشَاةِ، ثُمَّ خُذُوا عُمْرِي بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ شِئْتُمْ.

لَقَدْ فَضَّلْتُ عَهْدًا عَلَى النَّاسِ مِثْلَمَا
عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ فُضِّلَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ