بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية
في كل يوم تمر علينا من المواقف ما تجعلنا نعيد النظر في أحداثٍ مضت، لنكتشف أننا كثيرًا ما نتسرع في اتخاذ قرارات أو أطلاق أحكام، ونهمس في داخلنا: ما أجمل لو كنا توانينا. وفي صدد هذا دعني أقص عليك قصة حدثت في أحد الأحياء القديمة.
كان هناك شيخ كبير في السن، رجل هادئ، متقاعد منذ سنين، وكان يتقاضى راتبين، واحد من وظيفته الحكومية، والآخر من عمل إضافي كان يشتغله أيام الشباب، وكانت تسكن بجواره امرأة أرملة، توفي زوجها، وترك لها أطفالًا صغارًا لا سند لهم، كانت تعاني من الفقر وضيق الحال، ومسؤولية ثقيلة على كتفيها الضعيفتين، كان الشيخ يرى حالها، ويسمع بكاء أطفالها، ويعلم ضيق يدها، لكنه لم يرد أن يحرجها، ولم يقف على بابها ليقول: أنا أساعدك، بل ذهب إلى رجل البريد، ذاك الذي يوزع الرواتب كل شهر، وقال له بهدوء: يا بني، أنا لي راتبان أعطني واحدًا فقط، والآخر حوله لجارتي الأرملة، كل شهر، لا تخبرها عني، اجعل الأمر سرًا بيننا، نفّذ الرجل وصية الشيخ، وصارت الأرملة تستلم المبلغ شهريًا، ففرحت وظنت أن جهة خيرية ما قد تكفلت بها، ولكن رغم هذا، كانت تسيء إلى الشيخ، وتشهّر به بين الجيران، وتقول: هذا الشيخ بخيل، عنده المال ولا يتصدق، لا يُعين أحدًا، ولا يشعر بجيرانه. كانت ترفع صوتها عليه أحيانًا، وتسيء إليه بالكلام، وهو يسمع ويصمت، لا يرد ولا يغضب، واستمر الحال على هذا المنوال سنوات وسنوات، والشيخ لا يقطع عنها المعروف، وهي لا تكف عن أذيته، حتى جاء اليوم الذي رحل فيه الشيخ، توفي بهدوء كما عاش بهدوء، وفي نهاية الشهر، ذهبت الأرملة كعادتها إلى رجل البريد لتستلم راتبها، لكنه قال لها معتذرًا : لا يوجد لك شيء هذا الشهر. صُدمت وقالت بغضب: كيف؟! من سنوات وأنا أستلم هذا المال. تشاجرت معه، ثم رفعت عليه شكوى رسمية، ظنًا منها أنه قطع عنها حقًا ثابتًا.
وبدأ التحقيق، بحثوا عن مصدر المال، دققوا الحسابات، فكانت المفاجأة: المال لم يكن من جهة خيرية ولا من مؤسسة حكومية، بل كان من حساب ذلك الشيخ الطيب، جارها الذي أساءت إليه سنينًا طويلة، وهو يحسن إليها في صمت. وعندما أُخبرت بالحقيقة، انهارت، لم تصدق ما سمعته في البداية، وعندما استوعبت، غلبها البكاء وعصفت بها الحسرة، وقالت: كنت أوذيه وأشتمه.. وهو من كان يطعم أطفالي! كنت أظنه بخيلًا، وهو الكريم الذي لم يُرد إلا وجه الله. نقلت القصة بتصرف من موقع(farid_alshahwarzi).
دائمًا هناك زوايا مخفية حُجبت عن ناظرنا، نتطلع إليها في وقت متأخر، فنعضُّ أصابع الندم ونقاسي أنين الحسرة، لما أوردنا الشيطان بوسوسته في موارد التهلكة. كمثل ذلك الذي لم يأتِ صديقه لزيارته عند مرضه، تجده يتلبسه الغيظ وتعتريه العجلة عندما يراه، وينهال عليه بوابل من سهام العتب واللوم، وقد يكون مرت عليه ليالًا وأيامًا حالكة لا يعلم بها الا الله، أو شخص تصرّف بطريقة خاطئة وأردت أن توجه له نصيحة، لا تطلق عنان الاستعجال لحظتها أمام الملأ، فتكون فضيحة لا نصيحة بل تمهّل واختر وقتًا ومكانًا مناسبًا، يكون فيه على انفراد. وشخص واش جاءك بنبأ غير صحيح فصدقته، فغضبت مزمجرًا، وعلم القاصي والداني بما حدث، ثم تبين أن ليس في ذلك شيء من الصحة..فندمت.
قال أبو إسحاق القيرواني: (قال بعض الحكماء: إياك والعجلة؛ فإن العرب كانت تكنيها أم الندامة؛ لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذم قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة، واعتزل السلامة). وكما قيل أيضًا:(إن العجلة لا تأتي بخير ). لكن انظر للتأني وما يصاحبه من خير، يقول عليه أفضل الصلاة لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة). فالأناة تجنبك الوقوع في مواطن الزلل، تأخذ مساحة للتفكير والتأمل قبل اتخاذ أي قرار، تحسب حسابًا للعواقب فلا تقع في شباك الندم، والأناة تقيك من التفكير المتشتت وتعيش في سلام، تورثك الحكمة، وقلب مطمئن، وعقل راجح، وحسن التصرف والتدبير.
وفي النهاية: تعلم (فنّ التأنِّي) وكن كما قال الشاعر:
لا تـعـجـلن لأمـر أنت طـالـبــه
فقلما يدرك المطلوب ذو العجل
فذو التأني مصيب في مقاصـده
وذو التعجل لا يخـلو عن الزلل.



