بقلم: بدرية مبارك الدرعي
يستهلك الإنسان جُل الوقت في التخطيط للغد، أهداف يسعى لإنجازها، وأحلام يود تحقيقها، فيضع رؤى مستقبلية، يقدر من خلالها الحسابات، ويُنشئ الاحتمالات، يتشبث بخارطته التي يرسمها، وكأنها طوق نجاة تعبر به لظفة الأمان، ويرتعد إذا خانته الخطوات أو أنحرف عن المسار المرسوم، يسكنه شعور بالهزيمة إذا لم يصل إلى الوجهة التي حددها مسبقًا، ويظن أنه ظل الطريق ولا رجعة له فيه.
هذا ما حدث للأكسندر فلمنج بعد عودته من إجازة إلى معمله في مستشفى سانت ماري بلندن، ليكتشف أنه نسي أحد أطباق بتري مكشوفًا، ضمن مجموعته التي يستخدمها في تجاربه على البكتريا، وأن هذا الطبق تلوّث، ونمت عليه مستعمرات من البكتريا؛ مما يعني ضياع مجهوده في الفترة الماضية، لكن ما لفت نظره أثناء غسله للأطباق أن أحد أنواع العفن الذي لوّث عيناته استطاع تثبيط نمو البكتريا، هنا بدأ يتسائل لماذا توقفت البكتريا عن النمو؟بحث فليمنج عن مصدر التلوّث، وعبر سلسلة طويلة من التجارب عرف أنها مادة ينتجها فِطر، عفن، وأن هذه المادة استطاعت قتل البكتريا، ومن هذا الحدث الغير مقصود قادته الملاحظة إلى اكتشاف البنسلين، الذي غيّر مسار الطب وأنقذ حياة الملايين.القصة من موقعhttps://manassa.news للكاتب أحمد جمال سعد الدين ..نقلت بتصرف.
هناك أخطاء تفتح لنا أبواب لم نكن لنلج إليها لولا الخطأ، وهذا ما حدث في علم الفيزياء لبيرسي سنبسر في أربعينيات القرن الماضي، إذ كان بيرسي سبنسر يعمل على مشروع متعلق بالرادار، لكنه خلال اختباره لصمام مفرغ جديد، لاحظ أن قطعة الشوكولاتة في جيبه قد ذابت بسرعة، شعر بفضول شديد وبدأ في توجيه الصمام نحو أشياء أخرى مثل البيض، وحبات الفشار لمعرفة ما سيحدث، وبعد أن أصبحت هذه الأشياء ساخنة، توصل سبنسر إلى أن طاقة الميكرويف يمكن أن تؤدي لتطبيق جديد مثير للاهتمام، وسرعان ما وقع اختراع فرن المايكرويف.ولو أسقطنا هذا على علاقاتنا الشخصية،لوجدنا أننا نطمح للزواج من شخص معين، ونفشل بسبب الظروف التي تحول بيننا وبينه، فتسقط أحلامنا الوردية نصب أعيننا، وينفطر قلبنا، ولكن في المقابل نتعلم من الفشل دروسًا تقودنا للنضج، فتتغير نظرتنا للأشخاص ونختار الشريك الذي يناسبنا، ولو تطرقنا للتاريخ الإسلامي لوجدنا أنه لامس هذا الجانب، ففي صلح الحديبية خطط المسلمون لدخول مكة معتمرين، لكن الخطة فشلت ومُنعوا من ذلك، مما أورث غصة وحزناً في نفوسهم، غير أن ما بدا لهم فشلًا في ظاهره، كان فتحًا في حقيقة، فأبرمت هدنة بين قريش والمسلمين أستمرت لعشر سنوات، فتحت من خلالها أبواب الدعوة على مصراعيها، وختم ذلك لاحقًا بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وكان هذا الفتح هو الذي مهد لسيادة الإسلام.
يقول توماس إديسون :«أنا لم أفشل، بل وجدت آلاف الطرق التي لا تعمل» هذه المقولة جاءت لتخبرنا بأن الخطأ أو الفشل هو مسار لنجاح جديد، لم نكن لنراه لو لم ننحرف ونخطئ، ومن هنا نتعلم أن (للقدر حكاية أخرى)نحن عندما نكتب الحكاية ونضع النهايات التي نرديها، نرى فقط جزءًا من الصورة، لكن الله يرى الصورة كاملة، فيكتب في أقدارنا أن نتعثر ونسقط لنرى في السقوط طريقًا آخرى، ونعلم أن الله يوجهنا من خلال القدر، ليعلمنا، أننا لا نملك السيطرة الكاملة مهما بلغ تخطيطنا من إِحكام فقط علينا أن نأخذ بالأسباب ونترك النتيجة على الله، وهو أيضًا بذلك يعيد تشكيل شخصياتنا من خلال هذه التجارب، فنكون أكثر مرونة لمواجهة التحديات، ويعلمنا كذلك الصبر، الذي لو سُد بابًا في وجوهنا وشعرنا بالضياع، بحثنا عن بابًا آخر؛ فوجدناه بداية طريق أوسع وأجمل، ويعلمنا أن لكل شيء أوان ثابت لا يتقدم فنستعجل ولا يتأخر فنيأس، ألا ترى أن زهور البنفسج لا تنبت الإ في الشتاء، وأن الشمس لا تشرق إلا في موعدها، وأن اليرقة التي تعيش بداخل شرنقة ضيقة جدًا ومظلمة لو ساعدنها على الخروج لخرجت بجناحين ضعيفين وماتت.
عزيزي القارىء: لا تجعل همتك تضعف ولو لم تسير خطتك كما رسمت لها، و كن مرنًا في التعامل مع أحداث الحياة وأسمح لها أن تدهشك من خلال خلق واقع جديد أفضل وأجمل، وأعلم أن الله لا يخبئ لك سوى الأفضل، فأمض بقلب مطمئن، فالقدر يعيد لنا تشكيل الطرق بزوايا أخرى لتناسب أهدافنا، تذكر أن بعض الطرق لا تقودنا إلى ما نريد، بل إلى ما كنا نحتاجه دون أن ندري



