نواة الحب بسمة
بقلم: أحمد بن علي القطيطي

في بداية كل حكاية يولد شيء صغير يشبه الهمس ويشبه الضوء ويشبه تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن ليصغي إلى نبضة مختلفة تنبع من أعماق القلب، تلك النبضة هي نواة الحب، تلك الشرارة الأولى التي لا تحتاج إلى إعلان ولا إلى دليل، يكفي أن تمر بسمة واحدة على وجه من نحب حتى تتغير ملامح العالم من حولنا، فالبسمة ليست مجرد حركة عابرة للشفاه بل هي لغة كاملة، لغة لا تُكتب ولا تُترجم، لغة تُقرأ بالقلب وحده، وعندما تأتي من شخص نحبه تصبح أشبه ببوابة سرية تفتح على عالم آخر، عالم أكثر دفئاً وأكثر صدقاً وأكثر قدرة على احتضان أرواحنا المتعبة
ٱه كيف لو تكون البسمة هي أول اعتراف غير منطوق، هي أول وعد غير مكتوب، هي أول خيط يربط بين روحين لم يلتقيا صدفة بل التقيا لأن شيئاً في هذا الكون أراد لهما أن يلتقيا، فالحب لا يبدأ بكلمة ولا يبدأ بنظرة، الحب يبدأ بلحظة صامتة، لحظة يمر فيها الضوء من عيني شخص ما إلى قلب شخص آخر، لحظة تشبه المعجزة، لحظة لا يمكن تفسيرها ولا يمكن الهروب منها، لحظة تجعلنا ندرك أن هناك شيئاً أكبر منا يتحرك في الخفاء ليجمع بيننا وبين من كُتب لنا أن نحبهم
وعندما نرى تلك البسمة لأول مرة نشعر بأن شيئاً في داخلنا يستيقظ، شيئاً كان نائماً منذ زمن بعيد، شيئاً يشبه الطفل الذي يفتح عينيه على العالم لأول مرة، فنحن لا نحب لأننا نريد أن نحب، نحن نحب لأن البسمة التي رأيناها كانت صادقة بما يكفي لتوقظ فينا القدرة على الحب، كانت دافئة بما يكفي لتذيب جليد الخوف، كانت مشرقة بما يكفي لتعيد ترتيب الفوضى داخلنا، كانت بسيطة لكنها قوية، خفيفة لكنها عميقة، عابرة لكنها تبقى في الذاكرة كأنها نقش لا يزول
و لأن البسمة تمنحنا شعوراً بأننا مرئيون، بأننا موجودون، بأن هناك من يرانا بطريقة مختلفة، بطريقة لا يرانا بها أحد آخر، فالبسمة التي تأتي من القلب تحمل معها اعترافاً خفياً بأننا مهمون، بأننا جزء من عالم شخص آخر، بأننا لسنا مجرد عابرين في حياته، بل نحن نقطة ضوء في يومه، وربما في عمره كله، وهذه الفكرة وحدها كافية لتجعل القلب يخفق بطريقة مختلفة، كافية لتجعلنا نعيد النظر في كل شيء، كافية لتجعلنا نؤمن بأن الحب ليس وهماً بل حقيقة تتجلى في أبسط التفاصيل
وعندما تتكرر تلك البسمة مرة بعد مرة، تتحول من شرارة إلى دفء، ومن دفء إلى طمأنينة، ومن طمأنينة إلى تعلق، ومن تعلق إلى حب، فالحب لا ينمو دفعة واحدة، الحب ينمو كما تنمو البذور في الأرض، يحتاج إلى ضوء، إلى ماء، إلى وقت، إلى رعاية، والبسمة هي الضوء الأول الذي يسقط على تلك البذرة، هي الماء الأول الذي يرويها، هي اليد الأولى التي تلمسها برفق، هي البداية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فبدون البسمة يبقى الحب فكرة، ومع البسمة يصبح حقيقة
لذلك البسمة قادرة على أن تغيّر مزاج يوم كامل، قادرة على أن تمحو تعب السنين، قادرة على أن تمنحنا أملاً جديداً، قادرة على أن تجعلنا نرى العالم بألوان مختلفة، فالبسمة ليست مجرد تعبير، إنها طاقة، طاقة تنتقل من روح إلى روح، طاقة قادرة على أن تشفي، على أن تهدئ، على أن تعيد ترتيب الفوضى داخلنا، وعندما تأتي من شخص نحبه تصبح أشبه بلمسة سحرية، لمسة تعيد إلينا ما فقدناه من ثقة ومن أمان ومن قدرة على الحلم
وفي كل علاقة حب تبقى البسمة هي العلامة الأولى والأقوى، هي الجسر الذي نعبره دون خوف، هي الباب الذي ندخله دون تردد، هي الرسالة التي تصل دون أن تُكتب، هي الاعتراف الذي لا يحتاج إلى صوت، فالبسمة تقول كل شيء، تقول أنا هنا، تقول أنا أراك، تقول أنا أشعر بك، تقول أنا أقترب منك دون أن أخطو، تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله، وما لا يستطيع القلب إخفاءه
بينما البسمة هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن تزويره، فالعينان تفضحان ما تخفيه الشفاه، والروح تكشف ما تحاول المظاهر إخفاءه، وعندما تكون البسمة صادقة فإنها تحمل معها نوراً لا يمكن إخفاؤه، نوراً ينعكس على ملامح الوجه وعلى نبرة الصوت وعلى طريقة النظر، نوراً يجعلنا نثق بأن هذا الشخص ليس عابراً، بل هو شخص جاء ليبقى، جاء ليضيف إلى حياتنا شيئاً لا يمكن أن يضيفه أحد آخر
ومع مرور الوقت تتحول تلك البسمة إلى ذكرى ثابتة، ذكرى نعود إليها كلما ضاقت بنا الحياة، ذكرى نستند إليها عندما نشعر بالوحدة، ذكرى تهمس لنا بأن الحب كان هنا، وأنه ربما لا يزال هنا، وأن البسمة التي أحببناها يوماً ما لا تزال قادرة على أن تمنحنا القوة، حتى لو ابتعد صاحبها، حتى لو تغيّرت الظروف، فالبسمة التي أحببناها لا تموت، لأنها لم تكن مجرد شكل، بل كانت شعوراً، وكانت وعداً، وكانت بداية لحكاية ربما لم تكتمل لكنها تركت أثراً لا يُمحى
وفي النهاية تبقى الحقيقة واحدة، وهي أن نواة الحب بسمة، وأن كل شيء يبدأ من تلك اللحظة الصغيرة التي تشرق فيها الشفاه بنور القلب، وأن الحب مهما تعقّد ومهما تغيّر ومهما طال يبقى في جوهره بسيطاً، يبدأ ببسمة، ويستمر ببسمة، وينتهي أحياناً ببسمة، لكن البسمة التي تبدأ الحب ليست كأي بسمة، إنها البسمة التي تغيّرنا، التي تعيد تشكيلنا، التي تجعلنا نرى أنفسنا بطريقة أجمل، وتجعلنا نرى العالم بطريقة أعمق، وتجعلنا نؤمن بأن الحب ليس مجرد شعور بل هو حياة كاملة تبدأ من لحظة واحدة، لحظة تبتسم فيها الروح قبل الشفاه.





