بيدي لا بيد عمرو

بقلم: بدرية بنت مبارك الدرعية

كانت الزباء ملكة تدمر امرأة جمعت بين الجمال الفائق، والدهاء العظيم، وطموح لا يحده الأفق، وفي الجانب الآخر كان جذيمة الأبرش ملك العراق يطمع في توسيع ملكه؛ فغزا بلادها وقتل والدها في حرب ضروس، مما أشعل في قلب الزباء ناراً لا يطفئها إلا الانتقام، فعمدت إلى الحيلة، وأرسلت إليه تدعوه للزواج منها؛ لتوحيد المملكتين، فغره الطمع وذهب إليها، متجاهلاً تحذيرات وزيره الحكيم قصير بن مدي، الذي رأى في الدعوة غدراً ظاهراً، وبالفعل ما إن دخل جذيمة قصر الزباء حتى قامت بقتله؛ ثأراً لأبيها، مما دفع قصير بن مدي للتخطيط لثأر مضاد، فأقدم على جدع أنفه وتشويه وجهه واللجوء إلى الزباء، مدعياً أن عمرو بن عدي ابن أخت الملك المقتول قد فعل به ذلك، فصدقته الزباء واتخذته مستشاراً وتاجراً يجلب لها البضائع، وفي يوم الموعد المنتظر، عاد قصير بقافلة من ألف جمل محملة بصناديق، ادعى أن فيها ثياباً وطيباً، بينما كان بداخل كل صندوق رجل من أشجع المقاتلين، وما إن دخلت القافلة قلب تدمر حتى انفتحت الصناديق وخرج منها الرجال كالإعصار، وكان من بينهم عمرو بن عدي، فهجموا على القصر، وبينما كانت الزباء تحاول الهرب من نفق سري وجدت عمرو بن عدي واقفاً بانتظارها عند مخرجه، فأدركت في تلك اللحظة أن الهزيمة وقعت وأن ذل الأسر قد اقترب، فرفعت خاتمها الذي يحوي سماً ناقعاً وقالت قولتها الخالدة: “بيدي لا بيد عمرو” ثم تجرعته وسقطت ميتة، قبل أن تصل إليها يد عدوها؛ لتسجل في تاريخ العرب مثالاً في تفضيل الموت على الهوان والتحكم في المصير حتى في أحلك اللحظات.

هذه القصة ليست مجرد حكاية قديمة، بل هي صراع يعيشه كل واحد منا حين يواجه النهايات.إن فعل الزباء بتجرع السم كان قمة عزة النفس في منطق الحروب، حيث الموت أهون من ذل الأسر والوقوع في يد العدو. لكن المأساة الحقيقية تكمن في أننا، وفي عالم العلاقات الإنسانية، صرنا نستخدم منطق الحروب ذاته مع أحبائنا وأهلينا.
قد نرى رجلًا يدخل في نزاع مع إخوته وأرحامه، حول إرث أو قطعة أرض، وبدلاً من أن يطالب حقه بكرامة وهدوء، يسمح لكبريائه أن يقود المعركة، فيمنعه من التنازل أو قبول الوساطة والصلح، ويقوم بقطع صلته بالجميع، ويقاضي إخوته في المحاكم، فتحدث القطيعة لسنوات طويلة، ثم يتوفي ويرث أبناءه القطيعة. ونرى زوجان حدث بينهما خلاف، وشعر أحد الطرفين أن عزة نفسه جُرحت بسبب كلمة أو تصرف،وعلى أثر ذلك قرر الطلاق فوراً ورفض كل مبادرات الصلح، ليس لأن العيش مستحيل، بل لأنه يريد أن يثبت أن كبريائه لا يقبل الإهانة، فهُدم البيت وشتت الأطفال وضاعت سنوات من الود.

هل تعلم أن بين عزة النفس والكبرياء خيط رفيع، فعزة النفس هي ثقة داخلية وهدوء عميق في النفس، حصن يحميك من استبداد الآخرين، وبها تعرف قيمتك فلا تسمح لأحد بتجاوزها، ومن خلالها ترفض الإهانة وتحافظ على قدرك، وتترفع عن الصغائر، وتكون لديك مرونة تقبل من خلالها الصلح والتفاهم ما دام الحق محفوظاً.

بينما الكبرياء هو قناعٌ هشٌ وإخفاء الشعور بالنقص أو الخوف من الظهور بمظهر الضعيف. يجعلك صلب لا تنحني حتى لو كان الثمن هو الانكسار وضياع الفرص، ترفض الحقيقة وتتعالى على الاعتراف بالخطأ، تستهين بالآخرين وترى نفسك فوقهم، هو سجن يحرمك من التواصل معهم، يجعلك تتوهم أن قيمتك تزيد بنقصان قيمة الآخرين.

لذلك علينا أن نتأمل ملياً في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين عزة النفس و الكبرياء؛ فالكرامة هي الحصن الذي يمنع الآخرين من تحطيمنا، أما الكبرياء فهو النار التي قد تدفعنا لتحطيم أنفسنا بأيدينا، نتجرع السم ونقول بلسان حالنا:”بيدي لا بيد عمرو” حين نقطع رحماً أو نهدم بيتاً، متوهمين أن التنازل للطرف الآخر هو أسرٌ أو مهانة. ففي الحرب، كان سم الزباء هو طريقها الوحيد للحرية، أما في علاقاتنا، فإن كبرياءنا هو السجن الذي يحرمنا من حرية الحب والتسامح.

ولذا كن كالملوك في حفظ ماء وجهك، ولكن لا تجعل كبرياءك يغلق في وجهك أبواب الحياة. فالبطولة الحقيقية ليست دائماً في إنهاء كل شيء بيدك، بل في امتلاك الحكمة لتعرف متى يكون الانسحاب كرامة، ومتى يكون البقاء شجاعة، ومتى يكون الكبرياء مجرد سُمّ زُيّن لك في خاتمٍ من ذهب.