بقلم: د. فاطمة الظاهرية
المحبة ثابتة، واللقاء يأتي بحسب الظروف، عبارة كتبت على بطاقة إهداء من احداهن، لكنها تحمل في طياتها عوالم من الذكريات، وحنينًا لماضٍ جميل، لا يراه إلا من عرف معنى الوفاء.
المحبة ليست وعدًا نعلقه على مواعيد اللقاء، ولا اتفاقًا يُوقَّع عند اكتمال الحضور، إنها حالة صامتة، راسخة، تتغلغل في الأعماق، تسكن القلب، وتنسج من الصبر والجمال نسغًا خفيًا، لا تُربكها المسافات، ولا تُضعفها الأعذار، ولا تقيدها قوانين البشر، لأنها حياة بحد ذاتها.
قد تتأخر خطواتنا عن اللقاء، وقد تبتعد بنا الطرق، وقد تحملنا الرياح بعيدًا عن من نحب، لكن ما استقر في القلب لا يزول، وما زرعته الروح من شوقٍ صادق، يجد دائمًا طريقه إلى النور، فكم من قلوب لم تلتق منذ أعوام، وما زالت تعرف الطريق إلى بعضها عند أول نبضة شوق، أو عند وهم الفجر، أو عند همسة الماضي التي تعيد الذكريات إلى الحياة.
في غياب الأحبة، تتعلم الأرواح لغة الصبر، وتتقن فن الانتظار، تتسلل إلى زوايا القلب أصوات الذكريات، تهمس بما فات، وتعيد ترتيب الأحاسيس كما لو كانت رياح الزمن تخيط القلوب بخيوط من نور، لتظل متصلة رغم المسافات.
المحبة الثابتة لا تعاتب، ولا تطالب، بل تفهم صمت الظروف، وتحترم غيابًا قد يكون مفروضًا، ومن اختار المحبة مقامًا، أدرك أن اللقاء يصبح أجمل، لأن ما ثبت في القلب لا تسقطه الأيام، ولا تغيّره المسافات، بل يزداد لمعانًا كلما طال الغياب، وزادت قوة الاشتياق.
الأوفياء لهم قانون لا يعرفه إلا من عاشه: لا تحكمه المصلحة، ولا تغيّره الظروف، ولا يكتبه الزمن على الورق، بل يُسجَّل في القلب، في صمت الروح، في ارتجاف العيون من شدة الفرح حين يلتقي الأحبة، هم يبنون جسورًا، يزرعون أزهارًا في طرقات العمر، ويُعيدون ترتيب العالم بما يسمح للقلوب أن تجتمع، مهما تباعدت المسافات.
وحين يلتقون، يعودون إلى أحضان الماضي، ليستعيدوا الذكريات وكأنها لم تغادر أبدًا، وكأن الزمن لم يمضِ، وكأن اللحظة التي فقدت قد وُلدت من جديد للتو، الأوفياء يجعلون من كل لقاء سحرًا، ومن كل كلمة نورًا، ومن كل صمت حضورًا.
الغياب يعلمنا أن لكل قلب صدى لا يسمعه إلا من يعرفه، وأن لكل روح مسار لا يكتشفه إلا من عاش معها لحظة صدق واحدة، واللقاء، حين يأتي بعد الغياب، يصبح احتفالًا بالذكريات، وحفلة للعيون، وشعلة للقلوب، تتوهج كما لم تتوهج من قبل، فتتحول اللحظة إلى أبدية قصيرة، لكنها كافية لتثبت أن الوفاء قوة لا تقهر.
لأجل الأوفياء، تبقى المحبة خالدة، لأن الوفاء لا يزول، والقلوب التي تعرف الطريق، مهما طال الزمن، تجد دائمًا طريقها إلى بعض، وحين يلتقي الأوفياء، تمر المشاعر كوميضٍ سحري، يغمر الحياة بالسعادة، ويرسم على اللحظة بهجة أزلية، لا يعرفها إلا من اختبر عمقها.
فلا تكن من قلة الأوفياء، ولا من كثرة العابرين، بل كن من الحاضرين، الذين يحفظون الود، ولا يعرفون نصف المشاعر، الذين يجعلون الوفاء حجر الأساس في حياتهم، والصدق تاجًا على الرؤوس، والحب الحقيقي قرارًا دائمًا لا يتغير.
وهذا هو القانون الحقيقي للأوفياء: المحبة لا تموت، والوفاء يبقى، والقلوب التي تعرف الطريق، مهما تاهت، تجد دائمًا طريقها إلى بعضها، وتعود لتكتب على الجدران القديمة والحديثة سطورًا من نور، تحكي عن وفاء لا يزول، وعن قلوب صادقة تعرف قيمتها، وعن حياة تستحق أن تُعاش بإخلاص.
شكراً للأوفياء صائنين الود، وشكرًا لمن تعلمنا منهم الوفاء، لنكن نسخة منهم منتهجين بوفائهم، ونحمل في كل خطوة من حياتنا أثرًا من نورهم، لأن الأوفياء هم الذين يجعلون العالم أكثر دفئًا، والحياة أكثر معنى، والذكريات أكثر إشراقًا، وهم الذين يعلموننا أن الوفاء ليس مجرد شعور، بل حياة كاملة تُعاش بإخلاصٍ مطلق.




