الحب وقارب من المودة
بقلم: أحمد بن علي القطيطي
الحب بين الزوجين ليس مجرد عاطفة عابرة بل هو ميثاق غليظ كما وصفه القرآن الكريم حين قال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النساء ٢١، وهذا الميثاق يقوم على الرحمة والمودة والسكينة التي جعلها الله آية من آياته العظيمة، فقال سبحانه ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً …﴾ الروم ٢١ ، فالمودة هي الحب الصادق الذي يتجلى في الأفعال اليومية، والرحمة هي العطف الذي يقي العلاقة من الجفاف والفتور، والسكينة هي الاطمئنان الذي يجعل كل طرف يجد في الآخر مأوى وسنداً في مواجهة تقلبات الحياة.
إن مشاعر الحب والرومانسية بين الزوجين ليست ترفاً، بل هي ضرورة لحماية العلاقة من الانهيار أو البحث عن بدائل خارج إطار الزواج، فحين يغيب الحب ويضعف التواصل يفتح الباب للفتن والانجذاب إلى الآخرين، ولذلك فإن الإسلام شدد على أهمية حفظ الفروج وغض الأبصار فقال تعالى ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ النور ٣٠، وأمر المؤمنات كذلك فقال ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ النور ٣١، فالحب المشروع داخل بيت الزوجية هو الحصن المنيع الذي يمنع الانزلاق نحو الحرام.
الرومانسية بين الزوجين تتجلى في كلمات رقيقة وابتسامة صادقة ولمسة حانية ومشاركة في تفاصيل الحياة اليومية، وهي ليست مجرد مظاهر بل هي غذاء للروح وتجديد للعهد الذي يجمعهما، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب أروع الأمثلة في حسن معاشرة الزوجة، فقد ورد أنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها ويمازحها ويقول لها كلمات المحبة، وكان يضع رأسه في حجرها وهو يقرأ القرآن، وكان يحرص على أن يعلن حبه لها أمام الناس فيقول عن عائشة إنها أحب الناس إليه، وهذا السلوك النبوي يبين أن الحب والرومانسية ليست أموراً ثانوية بل هي جزء من الدين.
إن الزوجين حين يتبادلان مشاعر الحب فإنهما يحققان معنى قوله تعالى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ البقرة ١٨٧، فاللباس ستر وزينة ودفء وحماية، وكل هذه المعاني تنطبق على العلاقة الزوجية، فالحب ستر من الفتن وزينة للنفس ودفء للقلب وحماية من الانجراف وراء نزوات عابرة، وإذا غاب هذا اللباس شعر الإنسان بالبرد الروحي والفراغ العاطفي، الذي قد يدفعه للبحث عن بدائل محرمة.
الرومانسية ليست فقط في الكلمات بل في الأفعال الصغيرة التي تبني جسور الثقة والطمأنينة مثل الاهتمام بالصحة والسؤال عن الحال، والمشاركة في الأفراح والأحزان، وتقديم الهدايا البسيطة التي تعبر عن التقدير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “تهادوا تحابوا ” فالهدايا تقوي روابط المودة وتجعل القلب أكثر قرباً وارتباطاً.
الحب بين الزوجين يجب أن يكون متجدداً لا يعرف الجمود، فكما أن القلب يتغير والمشاعر تتقلب، فإن تجديد الحب بالرومانسية والاهتمام هو ضمانة لاستمرار العلاقة قوية ومتينة، وقد أشار القرآن إلى أهمية الاستمرار في المعاشرة بالمعروف فقال تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ النساء ١٩، والمعروف يشمل الكلمة الطيبة والابتسامة والرحمة والعدل والإنفاق والاحترام، وكلها صور من الحب والرومانسية التي تحفظ العلاقة من التصدع.
إن الوقاية من اللجوء إلى الآخرين تبدأ من داخل البيت، حين يشعر الزوج أن زوجته هي سكنه وحين تشعر الزوجة أن زوجها هو سندها، فلا يبحث أي منهما عن بديل خارجي لأنهما يجدان في بعضهما الكفاية والاكتفاء، وقد قال تعالى ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ النساء ٢١، أي أن العلاقة الزوجية هي أعمق من مجرد لقاء جسدي، بل هي إفضاء نفسي وروحي وعاطفي يجعل كل طرف جزءاً من الآخر.
الحب والرومانسية بين الزوجين هي عبادة، إذا قصد بها وجه الله، وحفظت بها الأسرة من الانهيار، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فحتى العلاقة الجسدية بين الزوجين إذا غلفها الحب والرحمة فهي عبادة يؤجران عليها.
إن القرآن الكريم حين تحدث عن الزواج لم يصفه بالعقد فقط، بل وصفه بالميثاق الغليظ، وهذا يدل على أن العلاقة الزوجية ليست مجرد التزامات قانونية، بل هي رابطة قلبية وروحية تحتاج إلى تغذية مستمرة، بالحب والرومانسية والرحمة وإذا أهمل الزوجان هذه المشاعر ضعف الميثاق واهتز البناء الأسري.
الحب بين الزوجين هو حصن للأبناء أيضاً، فحين يرى الطفل والديه يتبادلان كلمات الحب والرحمة يشعر بالأمان وينشأ في بيئة صحية بعيدة عن التوتر والحرمان، أما إذا غابت هذه المشاعر فإن الطفل قد يبحث عن الحب خارج البيت في علاقات غير سوية، ولذلك فإن الحب بين الزوجين ليس فقط لحمايتهما بل لحماية الأسرة كلها
الرومانسية هي لغة القلوب التي لا تحتاج إلى ترجمة، وهي التي تجعل الحياة الزوجية مليئة بالدفء والحنان، وهي التي تقي الزوجين من الانجراف وراء نزوات الآخرين، لأن القلب الممتلئ بالحب لا يفتش عن بدائل والعين المشبعة بالرومانسية لا تبحث عن صور أخرى، والروح التي تجد السكينة في بيتها لا تهيم في طرقات الغواية
إن مشاعر الحب والرومانسية بين الزوجين هي أمانة يجب أن يحافظا عليها وأن يجعلاها وسيلة للتقرب إلى الله، بحفظ الفروج وغض الأبصار وإشباع الغرائز في إطار الحلال وأن يتذكرا قول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ المؤمنون ٥-٦ ،فالحب المشروع هو الذي يرضي الله ويقي من الوقوع في الإثم.
وبهذا يتضح أن الحب والرومانسية ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي عبادة وسلوك ووقاية، وهي التي تحفظ الميثاق الغليظ وتبني أسرة متماسكة وتقي الزوجين من اللجوء إلى الآخرين وتجعل الحياة الزوجية جنة صغيرة على الأرض، يسكن فيها القلب ويطمئن فيها الروح ويستظل فيها الطرفان بظل المودة والرحمة والسكينة.
وللحديث بقية ..






