رسائل الامتنان: طاقة خفيّة لحياة أكثر إيجابية
بقلم: ثريا بنت علي الربيعية
الامتنان من أهم الفضائل الأخلاقية التي حثت عليها الأديان السماوية والثقافات المختلفة باختلاف الزمان والمكان، فهذه القيمة الأخلاقية مفتاح الفضائل جميعها؛ لما له من أثر بالغ على الصحة النفسية والجسمية، فالامتنان ليس مجرد شعور للحظاتِ إنما سلوك تربوي عملي يعيد توازننا الداخلي، ويُهذّب نظرتنا لأفقٍ بعيدٍ، وهو وإن لم يُغيّر الواقع المادي مباشرة لكنه قوة خفية توجه رؤيتنا بإيجابية، فيجعلنا نتأمل ما تبقّى من النعم بدل ما فُقد، فيُوقظ فينا طمأنينةً تُعيننا على المضيّ قُدمًا بثقةٍ.
كما أثبتت العديد من الدراسات النفسية على تأثيره العميق في تحسين جودة الحياة بشكل عام، لا سيما في وقت تكثر فيه أصوات التذمّر حول الأوضاع الاقتصادية، وصعوبة العيش، لكن تذكِّرنا للنعم الصغيرة وتفاصيلها وسط هذا الضجيج يمثّل لنا سندًا معنويًا يُعيننا على الثبات، وفي حقيقة الأمر نحن محاطون برحماتٍ لا تحصى، تحتاج لقلب يدركها. فلو تأملنا قليلاً لأدركنا أن الامتنان لايقتصر على الأموال والثروات بل يمتد نطاقه إلى تفاصيل أيامنا البسيطة: حين نشكر على الصحة التي نتمتع بها، وعلى البيت الآمن الذي يحمينا من الحرّ وبرد الشتاء، على نعمة الأصدقاء والأهل وقت الشدة، على نعمة النوم الهانئ، ولهذا نجد في النقص نعمة خفية رغم ماقد يكون من ابتلاءات، ويؤكّد النبي ﷺ هذا المعنى في حديثه الشريف الذي يرسم ملامح الرضا الحقيقي: “من أصبح منكم آمنًا في سِربِه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها” (رواه الترمذي).
بالطبع مجرد كلمة “شكرًا” نقولها لأنفسنا وللآخرين يمكن أن تتحول إلى رسائل تُعيد ترتيب أفكارنا، وتمنحنا رؤية أعمق للجمال الكامن في التفاصيل التي كنا نغفل عنها. وممارسة الامتنان يوميًا؛ كأن نكتب في نهاية كل يوم ثلاثة مواقف أشعرتنا بالسعادة، أو تكرار أدعية الحمد خلال اليوم قد تكون عادة صغيرة في ظاهرها لكنها قادرة على تحويل نظرتنا للحياة من النقص إلى الاكتفاء والرضا.
وعندما نوجّه امتناننا للآخرين فإننا نزرع فيهم رسائل صادقة قد تترك أثرًا عميقًا، فكم من أصحاب المهن البسيطة يعملون بصمتٍ من أجل راحتنا دون أن يلتفت إليهم أحد؛ كعامل النظافة الذي يبدأ يومه قبل الفجر، أو الحارس الليلي الذي يسهر ليؤمّن نومنا، هؤلاء الأبطال لا يظهرون في الصور ولا يحتلون العناوين لكن أثرهم كبير في المجتمع، وحتمًا يستحقون منّا كلمة ثناء تقديرًا لهم.
ولعل أجمل ما في ثقافة الامتنان أنها مُعدية، فعندما يشعر الشخص بتثمين الآخرين لعمله، يصبح بدوره ممتنًا وأكثر ميلًا لمساعدة الغير، وهكذا تدور دائرة الخير؛ وحين نتعلّم أن نشكر على القليل تُفتح لنا أبواب الكثير دون أن نسعى إليه.
من هنا لابد أن نجعل ثقافة الامتنان جزءًا من يومياتنا، نغرسها في مدارسنا وبيوتنا وجامعاتنا كأسلوب حياة، بل إنّ تضمين هذه الثقافة في المناهج الدراسية يُعدّ استثمارًا في بناء أجيال أكثر وعيًا وتقديرًا لما حولها، ناهيك عن ضرورة تمثّل المؤسسات المجتمعية هذه القيمة بين موظفيها حتى تسود بينهم بيئة عمل داعمة.
وأخيرًا؛ نستذكر العِبر من قصص السلف الصالح؛ كما أثر عن ذاك الرجلُ الأعمى الذي قُطّعت أطرافه وعظم بلاؤه، فكان يكثر من حمده وشكره لله على النعم، قائلًا: “أَشْكُرُ الله أن وهبني لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا وبدنًا على البلاء صابرًا”، ولمّا ظن الناس أنه سيفقد معنى الحياة كانت كلماته درسًا خالدًا؛ فهذه القصة بعمقها الإنساني تكشف لنا جوهر الامتنان في أصفى معانيه؛ فإذا كان الشكر قادرًا على تحويل البلاء إلى بصيرة، فهو كذلك يمهّد الطريق لفهم القانون الإلهي الذي يتلخص في أنّ الشكر يزيد النعم، كما جاء في قول الله تعالى: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ” (سورة إبراهيم: آية٧).






