الكاتبة: ثريا الربيعية
ذات صباحٍ مزدحم في مدينةٍ لا تعرف السكون، كان رجلٌ ينتظر دوره في طابور طويل أمام محطة القطار. من حوله وجوه متجهمة، هواتف لا تتوقف عن الرنين، وخطوات متسارعة كأن الجميع في سباقٍ مع الزمن. وبينما كان التوتر يخيّم على المكان، مرَّ صبيٌّ صغير يضحك وهو يطارد فراشةً على جانب الطريق، غير مكترث بضجيج الناس ولا بتأخر القطار. كان غارقًا في سعادته البريئة، فابتسم الرجل وهو يتمتم في نفسه:
“كم من الطمأنينة فقدنا حين نسينا كيف نندهش! تنهّد هذا الرجل بعمقٍ، كأنّ ضحكة الصبيّ أعادت ترتيب شيءٍ ما في داخله. نظر إلى الناس حوله، ثم شعر للحظة بأنّ الحياة، رغم صخبها، لا تزال تمنحنا مساحات صغيرة للدهشة، لمن أراد أن يلتقطها كالفراشة، كم نحن فعلًا نحتاج للحظة صمت نتنهد فيها بعمق بعد عمل شاق أو إنجاز هدف، تلك اللحظة التي نستعيد فيها جزءًا من السكينة التي نكاد ننساها في شغب أيامنا.
في واقعٍ تتلاطم فيه أمواجُ الضغوط وتتعاظم الهواجسُ المرتبطة بالمستقبل، لاسيّما مع الشعور بأنّ العالم يمضي في مسارٍ غير مستقر يجد أحدنا نفسه أمام أعباءٍ ذهنية متراكمة قد تُنغض صفاءه الداخلي، ويخالطه نوعًا من التشتت بين أعمال لا تنتهي، مشوبة بزخم المتطلبات الحياة السريعة، في وسط هذا الزحام تظل الروح متشوقة للعودة إلى الداخل، لعلها تجد تلك المساحة الهادئة التي تعيد بوصلة اتجاهات المشاعر إلى لحظات سلام التي لا تُقدر بثمن.
في الحقيقة؛ إن قيمة السلام الداخلي تُقاس بهدوء النفس وطمأنينة القلب، ونحن في زمن يثقل عقولنا ضجيج الأفكار نعلم تمامًا أن الطمأنينة لا تمنح من الخارج، بل تُزرع في دواخلنا، ولذا نحتاج ملاذًا للقلب قبل العقل، يتمثّل الإصغاء إلى ذواتنا؛ كما قال الإمام الغزالي:” الطمأنينة ثمرةُ المعرفة، فمن عرف ربَّه اطمأن قلبُه، ومن عرف نفسَه قلَّ اضطرابه”.
في ضوء ذلك يتبيّن لنا أنّ طريق السلام الداخلي يبدأ من لحظة وعيٍ صادقة يدرك فيها الإنسان قدرته على إصلاح داخله مهما اشتدّت الظروف، ولابد أن ندركه أن القلق ليس عيبًا إنما حالة نفسية طبيعية تتطلب إدارة واعية، فالنفس القوية لا تستسلم لدوّامات المخاوف إنما تتجه إلى ما يسمو بها، فكم سمعنا عن أشخاص أنهكتهم الضغوط النفسية حتى ضعفت صحتهم، بل كم شهدنا على تجارب تراجع فيها مسار حياة البعض إلى الفشل بسبب همومه.
بالطبع لا يخلو قلب عاقلٍ من التفكير على رزقه ومستقبله، ولربما تشتد به عواصف الحياة على الجميع بيد أنّ هذه التقلبات قابلةٌ للإدارة من وجهة نظري بأساليب واعية تُعين الإنسان على استعادة توازنه، مع التزود بمهارات ضبط النفس التي تساعده على التكيّف والعودة لقوته مهما تعثّر. ولنسترشد بما أوصانا ديننا الإسلامي قولًا وفعلًا؛ بما في ذلك أنّ النفس المطمئنة هي أسمى ما يمكن الوصول إليه من التصالح النفسي، ويتبين لنا أن أصل الطمأنينة هي الثبات في مواجهة الحياة، والاستقامة على طريق الصواب، كما جاء في الوحي القرآني: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة. ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ) (الفجر: آية ٢٧–٢٨).
من هنا نتيقن أنّ الوصول إلى هذا السلام القلبي يحتاج إلى التزام خطوات عملية تُعين النفس على بناء السلام وهدوء ترتيب الداخل، تبدأ من طرح الأفكار المتزاحمة، وتهدئة الضوضاء الذهنية بمتابعة تمارين التنفس العميق، فضلا عن ذلك يمكن مواجهة مصادر التشتت بكتابة الأفكار وتدوين كل ما يثير القلق من مخاوف؛ حتى يُقلّل من ضغطها، ويمكننا من رؤية الأمور بوضوح وشفافية، بالإضافة إلى ممارسة التأمل ولو لدقائق معدودة كفيلة بأن تعطي للنفس مساحة من السفر المريح للذهن، وبلا شك مع امتلاك هذه المهارات فنحن نستطيع الاقتراب أكثر من حالة التوازن التي ترتب دواخلنا.
ومع كل تجربة نمرّ بها، نكتشف أن الهدوء لا يعني فقدان القلق، بل قدرتنا على التعامل مع كل هذا بوعي واتزان، فالسلام الداخلي ليس هبة عابرة بل مهارة تُكتسب بالتدرّب والمثابرة، ولنتذكر أن بداية الطريق تبدأ من تقدير ذواتنا؛ وكما يُقال: “من عرف نفسه استراح، ومن استراح سلِم قلبه” فالفطّن من يستطع موازنة مشاعره رغم التقلبات والتعثرات، ولعل خطوة صغيرة يوميًّا تصنع أثرًا كبيرًا مع مرور الزمن، وتهيئ قلوبنا نحو باب أرحب للسكينة.
في ختام حديثنا لا نغفل عما هو أعظم أثرًا على هدوء النفس وضبطها ألا وهو ذكر الله، كما أشار ابن القيم: “لا يطمئن القلب إلا بذكر الله، ولا تسكن النفس إلا بمحبته والإنابة إليه”، ويبقى ذكر الله لحظة أُنس، والتأمل محطة استراحة تعيد للنفس بهجتها وللروح سلامها.




