لترتقي الروح تنازل عن كنوز النفس

بقلم: بدرية مبارك الدرعي

تقول إحداهن: عشتُ وأنا صغيرة لفترة مع جدتي، تلك العجوز التي لم تَنَل قسطًا كافيًا من التعليم، لكن رزقها الله بدلًا من ذلك حِكَمًا فِطرية عجيبة وإيمانًا عميقًا، كانت تمر بالبيت أحيانًا ظروف اقتصادية صعبة، ولا أدري كيف كانت تُدبِّر أمر البيت أثنائها حتى تمر الأزمة بسلام، لكنني لن أنسى يومًا واحدًا هزَّ ذاكرتي إلى الأبد، نزلت جدتي إلى السوق لتشتري بعض الحاجيات، فضاع منها كيس نقودها، فعادت إلى البيت مسرعة، وملامح الذهول تعلو وجهها، فتحت خزانتها وأخرجت آخر ما تبقى لدينا، ورقة نقدية واحدة!! تأملتها طويلًا، وبدت على وجهها ملامح الحيرة والعجز، لأول مرة رأيت الدموع تلمع في عيني المرأة القوية التي كنت أظنها لا تُهزم، ثم فجأة، نهضت بحزم وقالت لي: “تعالي، سنفعل شيئًا معاً.” وبحماس غريب طلبت مني أن أذهب لشراء عشر بيضات وربع كيلو عدس، ظننت أنها ستُعدّ لنا طعام الغداء، لكن المفاجأة كانت حين بدأت تطبخ العدس بعناية، وسلقت البيض، وسخّنت بعض الخبز، ووضعت قليلًا من الملح والفلفل في ورقة صغيرة، ثم خرجت من البيت حاملة كل ذلك، ووزعته على فقراء الحي، كدت أجن! فقد أنفقنا آخر ما نملك، وكدت أصرخ فيها: “على الأقل كنت أعطيتيني بيضة واحدة!” لكنها نظرت إليّ بابتسامة مطمئنة وقالت بكلمة واحدة: “اصبري…”عُدنا إلى البيت قبيل العصر، ونامت جدتي قليلًا من التعب، لكننا استيقظنا على طرق قوي على الباب، فإذا بفتى من السوق يقول: “يا حاجة، هل هذا كيس نقودك؟” لقد سقط منها أمام متجره، وحين حاول اللحاق بها أضاعها وسط الزحام، وبعد أن انتهى يومه، سأل الباعة عنها حتى دلّته إحدى النساء على بيتنا، وقبل أن تمضي ساعة، طرق بابنا رجل آخر -صديق لخالي- عاد من سفره ليعيد مبلغًا كان قد استدانه من خالي، ومعه هدايا وحلوى.
عندها ابتسمت جدتي وقالت لي برضا: “يا بُنيتي، اللقمة تُبعد النقمة، كلما ضاقت بك الدنيا، أطعمي فقيرًا أو محتاجًا.” فسألتها مازحة: “ولماذا دائماً العدس؟” فقالت وهي تضحك: “العدس طعام ذكره الله في القرآن، وأنا أحبه، وأحب أن أُقدِّم للناس مما أحب.، قدّمي مما تحبين، يبارك الله في رزقك ويُفرِّج كربك.”
كبرتُ وأنا أرى بأم عيني كيف يستر الله أسرة بسيطة قليلة المال، لكنه يغمرها بالبركة والطمأنينة،تعلمت منها أن التعامل مع الله هو أصدق أنواع التجارة، لم تكن جدتي تحفظ النصوص، لكنها كانت تعيش معناها، كانت في أيام الشتاء الباردة تسلق البيض وتوزعه على رجال الأمن في الشوارع، أو تُعد طعامًا وتقدّمه لعمال النظافة.
من يُعطي لله لا يخسر أبدًا، ولو أنفق آخر ما يملك، لأن الكرم مع الله تجارة لا تعرف الخسارة. القصة من حساب.farid alshahwarzi.. بينما كنت أقرأ هذه القصة، استذكرت ما حدثتني به صديقتي عن ملجئها الروحي حين يداهمها الخوف، كانت تقول: إذا استيقظت على كابوس مفزع يملأ الروح رعبًا، أهرع فورًا إلى كنوز الرزق التي أنعم بها عليّ ربي، وأدفع منها صدقة، وكأنني أستجير بها من غوائل اليوم، وسبحان الله! ينساب ذلك اليوم بسلام وسكينة، فتعود لتشكر الله بقلب يفيض امتنانًا
قرأت في سيرة السلف أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يمتلك ناقة نفيسة وثمينة، وكانت تعجبه جداً، ولما نزلت الآية﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٢)،تصدق بهذه الناقة في سبيل الله، إذ كان يرى أنها أفضل ما لديه، فهي ما يجب أن يقدمها لربه.

وبعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري يطلب منه أن يشتري له جارية من سبي جلولاء، فلما أتت إليه أعجبته ونالت رضاه، فلما تذكر عمر الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، (آل عمران: ٩٢)، فقال:إن الله يقول ذلك، وإن هذه الجارية أحببتها، ثم أعتقها لوجه الله.
أتعلم أن نيل “البِر” معناها : هي كلمة جامعة لكل خير، وقد فسرها العلماء بثواب الله والجنة، أو كمال الخير في النفس، وهو أعلى درجات الطاعة والتقوى، وأن الإنفاق من أفضل وأحب الأموال أو الأشياء إلى النفس هو دليل على صدق الإيمان، وتقديم ما هو نفيس لله تعالى، ولهذا يكون الأجر أعظم وأكبر، إن العطاء مما نحب هو مجاهدة للذات وانتصار على الشح والبخل وحب التملك، وأن هذه المجاهدة تعمل على تطهير وتزكية النفس ورفع منزلتها، وأنها قمة الإيثار والذي هو من صفات الأبرار والمتقين.
“لترتقي الروح تنازل عن كنوز النفس”، أنّ تخليك عن شي ثمين تحبه يشعرك بسعادة داخلية ورضا، لأن العطاء بكل بساطة هو غذاء للروح، كما أنه يفتح لك أبواب البركة في الرزق والمال، ويجعلك أكثر استشعاراً لنعم الله عليك، فأن تعطي من جواهر ما تملك، أنك لا تترك مالاً أو شيئاً فحسب، بل تترك أثراً حقيقياً ومؤثراً في حياة الآخرين.
يقال: أن العطاء الحقيقي ليس أن تعطي ما هو فائض عن حاجتك، بل أن تقتطع من صميم ما تُحب ليحيا به غيرك.
وأخيراً: إننا نكدح ونجمع الأموال والأشياء، نعلق بها قلوبنا ونخشى عليها الفقد، متناسين أن القبر لن يتسع لحبنا للمال، ولن يدفن معنا شيئاً من كنوزنا التي حرصنا عليها، فلماذا نحبس عن أنفسنا الأجر العظيم؟ أَعطِ مما تحب، ومما تشتاق إليه نفسك، لأن هذا العطاء هو الشيء الوحيد الذي سيغادر معك القبر ليسبقك إلى دار البقاء، أجعل ما تنفق اليوم هو رصيدك الخالد، ودع ما تبخل به ليكون ميراثاً لغيرك.. تذكر.. أن ما أبقيته لن يبقى لك، وأن ما أنفقته هو الباقي حقاً، وتفكر.. إن الإنفاق هو في حد ذاته عظيم، فكيف إذا كان مما تحب؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *