حين تَخذُلُنا المناصب… وننهض بالإيمان

بقلم: هيان البلوشي

يقولون إن الإنسان ابنُ تجربته، وإن الذاكرة لا تحفظُ وجهًا بقدر ما تحفظُ أثرًا، وأنا، في هذا العالم العامر بالشعارات الفارغة والمكاتب اللامعة، أصبحتُ أؤمن أن الخذلان لا يأتي من الأقدار بقدر ما يأتي من القلوب التي تَعِد ولا تفي، ومن الأيدي التي تُصافِحُك صباحًا لتدفعكَ مساءً خارج حدود الاحترام.

ليست التجارب في العمل مجرد ملفات وطاولات، بل أرواحٌ تسعى لتثبت ذاتها، يدخل المرءُ باب جهة العمل بفرح المتفائل، يظنّ أن العدالة تسكن بين الممرات، وأن الأخلاق تُعلّق إلى جوار اللوائح الداخلية، ثم يمضي الوقت، فنكتشف أننا لم ندخل إلا مسرحًا كبيرًا، الممثلون فيه رؤساء متعجرفون، وقرارات مُعلّبة، وأدوار مُسبقة الكِتابة، ويبقى عليك أن تُصفّق، حتى ولو كنتَ أنتَ الضحية… فإن لم تفعل، جرى حذفك من المشهد.

تبدأ القصة عادةً بابتسامة، يُخبرونك بأنك أملُ القسم، وإنهم يرون فيك طاقةً ستصنع الفارق، ثم ما تلبث أن ترى تلك الطاقة تحترق تحت إهمال متعمّد، أو تتبعثر بين تفسيراتٍ غريبة يطلقها المسؤولون ليبرّروا عجزهم، إنهم يملكون فن التشكيك فيك أكثر مما يملكون فن تطويرك، يريدون موظفًا صامتًا لا يحلم، لا يناقش، لا يرفض، لا يطالب. وإذا طالبت… كانت أول تهمةٍ تُلقَى عليك: «وقاحة».

وقد يحدث أن يطلبوا منك التضحية بلا مقابل؛ أن تعمل فوق طاقتك، أن تتجاوز مهامك، أن تعيد بناء قسمٍ كامل وحدك… وحين يسألك قلبك عن ثمن تعبك، يقولون: «الصبر»، وحده صبرك مطلوب، أمّا صبرهم على تطويرك فرفاهية لا يستحقّها أحد.

هنا، يتسلّل الخذلان، ليس خذلان العمل بحد ذاته، بل خذلان البشر الذين ظنناهم قادة… فإذا هم بابٌ مغلقٌ بإحكام.

كنتُ ذات يوم أظن أن الإدارة فنّ، فإذا بي أكتشف أنها لدى بعضهم مجرّد فرصة لإظهار النزق، بعض المسؤولين يعتقد أن الكرسي ملكٌ أزليّ، وأن الطاولة شهادة على عظمته، وأن صلابته لا تُقاس بقرارات عادلة، بل بكمية الأصوات الصامتة التي حوله، لا يخيفه أن تفشل المؤسسة، يخيفه أن ينجح أحد دونه.

ينسى هؤلاء أن القوة لا تُقاس بمدى قدرة الإنسان على إذلال من تحته؛ بل بمدى قدرته على رفعهم، وأن أعظم المدراء هم أولئك الذين يصنعون قادة.. لا خَدَمًا.

لكني رأيتُ نقيض ذلك؛ رأيتُ من إذا رأى نورًا في داخلك سعى لإطفائه خشية أن يسطع، رأيته يحوّل مواهبك إلى وثائق مهملة، ويزرع الشك بينك وبين نفسك، حتى تتساءل: «هل أنا حقًا ما كنتُ أظنّه؟» هذا هو الخذلان في أبشع معانيه، حين يجعلونك تشكّ في حقيقتك.

وللخيبة طرق كثيرة، أقساها أن ترى جهدك يُنسَب لغيرك، وأن تُحاسَب على خطأ غيرك، وأن تُتّهم لأنك قلت الحقيقة.
يُقال إن الصمتَ حكمة، لكنه أحيانًا هزيمة، فحين تصمتُ عن الظلم، لا تصون كرامتك..بل تُضيف حجرًا جديدًا إلى جدار استبدادهم، ومع الوقت، يصبح الظلم ثقافة.. تُمارس بهدوء، وتُبرَّر ببراعة.

ترى موظفين يتحدّثون عن المسؤول المتغطرس بخشوعٍ «يُشبه الذعر»، وتراهم يتباهون بالانكسار على أنه ولاء، يُحدّثونك عن «سعادة القرب منه»، وكأنما يتحدثون عن نعمة، وحين تشفق عليهم، يُقال إنك المذنب، لأنك.. لم تتعوّد بعد.

أعود إلى نفسي: ما الذي يدفعنا للصبر؟ أهو الخوف؟ أم الأمل، حين وقفت أمام هذا السؤال، وجدت أن الأمل أقوى من الخوف، نحن نعيش على أمل أن تتحسّن الأحوال، وأن يعيد الله ميزان العدالة حين يختلّ.

في قصص الأنبياء، ما تعلّمناه أعظم من كل مناهج الإدارة، تعلّمنا أن الله يمهل ولكنه لا يهمل، وأن الغرور بداية السقوط، وأن الظلم وإن علا، فمصيره أن ينكسر، نقرأ عن يوسف عليه السلام الذي ظلموه، فصار عزيزًا، ونقرأ عن موسى الذي واجه طغيان فرعون، فكان النصر آخر المطاف، ونتلو قوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
فنطمئن.

المديرون المتسلّطون يظنون أن الدائرة لن تدور.. وأن التاريخ لا يذكر سوى المنتصرين، لكن التاريخ لا ينسى،  والأسماء التي بقيت ليست تلك التي جلست على الكراسي.. بل تلك التي جلست على الحق.

أعلم أن التجربة تُشعر المرءَ أحيانًا بأنه غريب وسط أهله، أن روحه مُعلّقة بسؤال: «كيف أجد مكاني؟»، لكن الحقيقة أن المكان ليس ما تُحدّده جهة العمل.. بل ما يحدّده الله، وأن الأرزاق لا تأتي بإعجاب البشر، بل برضاه.

أعظم ما نتعلمه من تجارب الخذلان ليس الألم..بل التحرّر، نعم التحرر، حين يخذلك من وثقت به، تتعلّم أن لا تعلّق قلبك بغير الله، حين يستهين أحدهم بجهدك، تتعلّم أن قيمة الجهد في نيتك وصدقك.. لا في عيون الناس، وحين يسلبونك حقّك، تتعلّم أن العدل لا يُقاس بالقرارات.. بل بميزان السماء.


في لحظات الانكسار الكبرى، كنا نظن أننا نُهزَم، لكننا في الحقيقة كنّا نُبنى. الألمُ ليس عدوّك..  بل معلّمك، والخذلان ليس السقوط، بل الطريق إلى النهوض، إنه يدفعك إلى إعادة تعريف ذاتك بعيدًا عن أحكام الآخرين، يُعلّمك أن النجاح الحقيقي ليس أن يصفقوا لك، بل أن تعرف من أنت، وأن تقف أمام المرآة دون خجل.

لقد رأيت كثيرًا من الوجوه تتبدّل حين تغيّرت المناصب، بعضهم كان يبتسم لك بتواضع، فلما ارتفع صار لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا ظله، وبعضهم كان يراك أخًا، فلما أصبح صاحب قرار، صار لا يعرفك، هؤلاء لا يَستَكبرون لأنهم عظماء، بل لأنهم فارغون، أما الحقيقيون، فترتفع مناصبهم، ولا يتغيّرون، تزداد صلاحياتهم، فتزداد حكمتهم، يعلمون أن القيادة ليست امتيازًا، بل تكليف،وأن أعظم القادة ليس من يُخيف موظفيه، بل من يلهمهم.

لقد أيقنت اليوم، بعد كل خذلان، أن العمل مهما علا شأنه، لا يستحق أن نخسر فيه أنفسنا، وأن الإنسان لا يقاس بمهنته، بل بما يحمل في قلبه.

تُرى… ما قيمة وظيفةٍ تجعلك تنحني؟ وما قيمة كرسيّ يفرض عليك أن تصمت عن الحق؟ وما قيمة نجاحٍ بلا كرامة؟
الجواب بسيط: لا شيء.

في النهاية…
تبقى الحقيقة أن ما بيننا وبين الله أوثق مما بيننا وبين البشر، وأن الرزق آتٍ آت، ولو اختبأ في قاع البحر، وأن الحق لا يموت، حتى لو مشى ببطء، سيأتي يوم يقف فيه كل مسؤول أمام نفسه قبل أن يقف أمام ربه، فيُسأل:
هل كنت عونًا؟ أم كنت عبئًا؟
هل صنعت أجنحةً للناس، أم قَصَصتَها؟ هل بنيت.. أم هدمت؟

وأختم بكلمات، لعلّها تلامس القارئ: نحن الذين مشينا في الممرات الصامتة، نحمل في صدورنا نبضًا يأبى الانكسار، نحن الذين سقطنا بدموعنا، ثم نهضنا بدعائنا، نحن الذين ظنّوا أننا انتهينا، لكننا بدأنا من جديد.

لسنا ضحايا، بل طلابُ حكمة.
والله لا ينسى، والله أعدل، والله يكفي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *