الحياة والمعنى

بقلم:بدرية مبارك الدرعية

يقول أحدهم (شاءت الأقدار أن يدخل العالم النفسي فيكتور فرانكل المعسكرات الرهيبة للاعتقال الذي أقامه النازيون في الأربعينيات، والتي بين جدرانها لم يكف عن ترديد جملة “فالويل لمن لا يرى في حياته معنى”. تعرّض لجميع أشكال المعاناة والمحن لكن هذا جله لم يزد الطين بلة بقدر رؤية الانهيار العقلي الذي أصاب أحد أصدقائه السجناء، مما أدى فجأة إلى تقليل مناعة جسمه، وبالتالي وقوعه ضحية لمرض جلدي خطير. ما إن انتهت معانات صديقه،حتى بدأ بتأليف كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى”). فغياب الهدف والمغزى كما قال أنه هو الذي يقتل الروح والمناعة قبل أن يقتل الجوع أو البرد، فالمعنى ليس مجرد فكرة فلسفية، بل هو عامل بيولوجي يؤثر مباشرة على المناعة والصحة الجسدية.

فها هو فرانكل لم ينتظر الظروف المثالية حتى يكتب؛ بل كتب وسط كل مشاهد العنف، القسوة، الظلم، ليثبت أن المعنى لا يُهدى، بل يُكتشف ويُصنَع حتى في أصعب التجارب الإنسانية وأحلكها.

فما هو معنى المعنى؟ هو أن يكون لوجودك سبب يتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة، إدراك أن الحياة ليست عشوائية، بل هي موجهة نحو تحقيق شيء ذو قيمة؛ أن تكون لحياتك رسالة، إنجاز يترك أثر، ومساهمة فاعلة، وهو إحساسك بالرضا الداخلي الذي تشعر به عندما تعيش وفقًا لقيمك، وتدرك أن حياتك ليست مجرد سلسلة من الأحداث، بل قصة ذات مغزى، وبوصلة داخلية تخبرك لماذا تفعل ما تفعله، شعور بأن حياتك مهمة وذات قيمة، وأن وجودك يحدث فرقًا،حتى ولو كان بسيطًا.

أتعلم أن معنى المعنى في الإسلام ليس شيئًا يُصنع من فراغ، بل هو موجود مسبقًا ومحدد إلهيًا، ودور الإنسان هو اكتشافه وتحقيقه في كل جانب من جوانب حياته، فالإسلام يضع إطارًا شاملًا وثابتًا لمعنى الحياة، ويجعل كل سعي الفرد لإيجاد معنى شخصي ليكون جزءًا من هذا الإطار الأكبر، فالغاية الأساسية هي العبادة، يقول ربنا في كتابه الكريم: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]. فالعبادة هنا ليست مجرد شعائر من صلاة ،وصيام،وحج وغيره ؛ بل هي غاية شاملة للحياة تشمل كل عمل صالح، شريطة أن يكون خالصًا لوجه الله الكريم.
و​الخلافة والتعمير كما في قوله تعالى:(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: ٦١]. هذا يمنح حياة الفرد قيمة إيجابية وعملية، حيث أن دوره هو عمارة الأرض بالعدل والخير والإنتاج.

​ولو ربطنا بين المعنى الدنيوي والأخروي لوجدنا أن ​الإسلام يمنح الحياة قيمة مضاعفة لأنها مرحلة عبور تحدد مصير الإنسان الأبدي، فهذا يعطي الإنسان شعور بأن وجوده مقصود وأنه مسؤول عن أفعاله وهذا بدوره يمنح حياته ثقلًا ومعنى فوري، فكل قرار وكل عمل يصبح ذا قيمة لأنه يُحتسب في الميزان وهذا يزيل الشعور بالعبثية، حتى في أشد لحظات الألم والمعاناة، يجد المسلم معنى في الصبر والاحتساب والإيمان بالجزاء الأفضل.

​إن سعي المسلم لإيجاد معنى لحياته يترجم عمليًا إلى أن هدفه الشخصي يكون في تحويل العمل إلى عبادة، فتجده يشجع على جعل الأهداف الشخصية واليومية ذات معنى أكبر ويكون ذلك عبر النية الصالحة وتحويل الأعمال الدنيوية كالعمل، والدراسة، وتربية الأبناء، وحتى النوم، إلى عبادات بمجرد استحضار النية الصالحة لوجه الله. فأن تكون طبيبًا ناجحًا أو معلمًا مخلصًا يندمج في المعنى الأكبر خدمة الخلق وابتغاء مرضاة الخالق.

وكذلك ​الاحسان والإتقان يُنظر إلى إتقان العمل كجزء من الإيمان (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه). هذا يمنح العمل قيمة ذاتية ومعنى عميقًا.

من هذا كله نستنتج أن وجود معنى في حياتك: يمنحك بوصلة واضحة توجه قراراتك وأفعالك اليومية ،فهو يحفزك على الاستيقاظ كل يوم بانتظار شيء ذو قيمة لتقوم به، ويساعدك على تركيز جهودك ووقتك وطاقتك على ما يخدم رؤيتك، بعيدًا عن التشتت، ويزودك بـ الجلَد والقوة للاستمرار في السعي وتحمل التحديات والصعاب، ويمنحك شعورًا بالإنجاز والسعادة الداخلية؛ وبالتالي فإن كل هذا يجعلك أقل عرضة للاكتئاب وأكثر تاثيرًا وإيجابية، و​يمنحك الهدوء والسكينة والرضا عن النفس، ويساعدك على تجاوز الأوقات العصيبة، ويحميك من الملل والفراغ والشعور باللامعنى.

في حين أن عدم معرفة المعنى في الحياة أو ما يُعرف في علم النفس بـ الفراغ الوجودي إذ تعتبر إنها حالة نفسية وروحية تنشأ عندما لا يجد الفرد هدفًا أو قيمة جوهرية يبرر بها وجوده، فيشعر بالخواء وأن حياته فارغة من الداخل، حتى لو كانت مليئة بالإنجازات المادية أو الاجتماعية، فقد يتطور إلى اكتئاب ناجم عن الشعور بأن الجهد لا طائل منه، وهذا يؤدي إلى الضجر المزمن واللامبالاة، فيفقد الشخص الدافع المستدام للعمل أو التطور أو تحمل الصعاب، لأنه لا يرى قيمة نهائية لما يفعله. كذلك قد يلجأ الفرد إلى سلوكيات أو مُلهيات مؤقتة لملء هذا الفراغ الروحي، مثل: ​الإفراط في الماديات والاستهلاك والتركيز على جمع المال أو الممتلكات كبديل سطحي للقيمة الجوهرية. و​الإدمان باللجوء إلى الكحول أو المخدرات أو أي نوع من الإدمان كمهرب من مواجهة الفراغ. وعدم التروي والاندفاعية والمخاطرة غير المحسوبة، والبحث عن الإثارة اللحظية لكسر رتابة الحياة المملة، وكذلك ​الانسحاب والعزلة، فقد يبتعد الشخص عن العلاقات الاجتماعية أو يتجنب المسؤوليات لأنه يرى أنها لا تضيف له معنى.

يقول فيكتور فرانكل: إن الذين يجدون معنىً في حياتهم هم الأكثر قدرة على تحمل المعاناة والألم. أما من لا يملك معنى، فإنه ينهار بسهولة أمام أول اختبار أو نكسة، لأنه لا يملك سببًا جوهريًا للتمسك بالحياة.

في الختام يتضح أن مفهوم المعنى يمثل جسرًا يربط بين علم النفس الوجودي وبين الحكمة الروحية العميقة، لقد قدم لنا فيكتور فرانكل، بتجربته ونظريته، دليلًا قاطعًا على أن قوة الإنسان تكمن في قدرته على اختيار موقفه تجاه المعاناة، وبالتالي إيجاد معنى لحياته فريد وخاص به، وفي المقابل نجد أن المنظور الديني يعزز هذا المعنى ببعد أسمى، حيث يربط الغاية الفردية بهدف إلهي أكبر، موفرًا بذلك مصدرًا لا ينضب للقيم والمسؤولية، إنَّ التكامل بين هذه الرؤى يؤكد على أن المعنى، سواء اكتشفناه عبر الإنجاز أو المعاناة، هو الضرورة الوجودية التي تحصن النفس ضد العدمية وتقيها من الفراغ الوجودي، وعلى الرغم من اختلاف المسارات، يظل الهدف واحدًا وهو إيقاظ الإنسان لـمسؤوليته تجاه الحياة ودعوته ليعيشها بـقيمة وغاية.
عزيزي القارىء: هل عرفت الآن ما معنى أن تجد لحياتك معنى؟