أيام زمان
بقلم: أحمد بن علي القطيطي

في أيام زمان، كانت البيوت متقاربة، والقلوب متآلفة، وكان الجار يعرف جاره معرفة تامة؛ يعرف أحواله وأسرته، ويفرح لفرحه، ويحزن لحزنه وكان إذا غاب الجار لأي سبب، تجد جاره يسأل عنه، ويطرق بابه، ويبحث عن أخباره، ولا يهدأ له بال حتى يطمئن عليه، وكان الجار يحرص على راحة جاره، ويقدّم له المساعدة دون أن يُطلب منه، وكان إذا رأى أولاد جاره يخطئون لا يتردد في تأديبهم وتوجيههم، وكأنهم أولاده، وكان هذا التصرف مقبولًا ومحبوبًا، لأنه نابع من محبة وحرص على الخير.
وكانت العلاقات بين الجيران مبنية على الاحترام والتقدير، وكان الجار يشعر بالأمان لأن جاره سند له في كل الظروف، وكانوا يتشاركون الطعام والفرح والحزن، وكان صوت الأذان يجمعهم في المسجد، وكان المسجد مركزًا للتواصل والتراحم، وكان إذا غاب أحد المصلين عن المسجد، تجد جماعة المسجد يسألون عنه، ويزورونه في بيته، ويطمئنون عليه، وكان هذا السلوك يعكس روح الجماعة والتكافل الاجتماعي الذي كان سائدًا في ذلك الزمان.
ومع مرور الوقت وتطور الحياة، بدأت هذه القيم تتراجع شيئًا فشيئًا، وبدأت البيوت تتباعد، والقلوب تنغلق، وظهرت وسائل التواصل الاجتماعي التي قرّبت البعيد، لكنها في نفس الوقت أبعدت القريب، أصبح الناس منشغلين بشاشاتهم أكثر من انشغالهم بمن حولهم، وأصبح الجار لا يعرف اسم جاره، ولا يسأل عنه، ولا يهتم لأمره، حتى لو غاب أيامًا أو شهورًا، وكأن الجيرة أصبحت مجرد جدران متلاصقة، لا تحمل أي معنى للعلاقة الإنسانية.
وفي ظل هذا الانشغال بالتكنولوجيا والتغيرات الاجتماعية، فقد المسجد دوره القديم في جمع الناس وتوحيدهم، أصبح كثير من المساجد شبه خالية من المصلين، ولم يعد الناس يسألون عن الغائب، ولم يعد هناك حرص على التواصل والتراحم كما كان في السابق. بل أصبحت البغضاء تسكن القلوب، وصار كل فرد يعيش في عالمه الخاص، بعيدًا عن محيطه الاجتماعي، ولم يعد هناك ذلك الشعور بالانتماء للجماعة أو الحرص على الآخرين.
ومع ذلك، لا يمكن التعميم، فهناك مجتمعات ما زالت تحافظ على هذه القيم الجميلة، وهناك بيئات ما زالت تحتفظ بروح الجيرة والتكافل. وهناك من يسعى لإحياء هذه الروح من جديد، من خلال المبادرات الاجتماعية والدعوات إلى تعزيز العلاقات بين الجيران، والعودة إلى المسجد كمركز للتواصل والتراحم، وهناك من يدرك أن التكنولوجيا لا يجب أن تكون بديلاً عن العلاقات الإنسانية، بل وسيلة لتعزيزها وتقويتها.
إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع في إعادة بناء هذه الروابط الاجتماعية التي تآكلت بفعل الانشغال والتغيرات الحديثة، يجب أن نعيد للمسجد مكانته في حياتنا، ونحرص على حضور الجماعة، ونسأل عن الغائب، ونزور المريض، ونواسي الحزين، ونتعاون في الخير، ونتراحم فيما بيننا. ويجب أن نعيد للجيرة معناها الحقيقي، بأن يكون الجار سندًا لجاره ورفيقًا له في السراء والضراء.
ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن نبدأ بأنفسنا: أن نطرق باب جارنا ونسأله عن حاله، أن نبتسم له إذا رأيناه، أن نعرض عليه المساعدة إذا احتاجها، أن نشارك في مناسباته ونقف معه في محنه، أن نحرص على أن يكون المسجد مكانًا يجمعنا لا مجرد مكان للصلاة فقط، وأن نعود إلى تلك الروح التي كانت تسكن “أيام زمان” ونحييها في واقعنا المعاصر.
فالمجتمع لا يُبنى إلا بالتراحم والتعاون، والجيرة الصالحة، والمسجد العامر بالمصلين، والقلوب المتآلفة التي تسعى للخير وتنفر من البغضاء والعداوة، وكل بيئة تستطيع أن تصنع هذا التغيير إذا أرادت، وكل فرد يستطيع أن يكون سببًا في إحياء هذه القيم إذا بدأ بنفسه، ومدّ يده للآخرين بالحب والاحترام والتقدير.
وهكذا نستطيع أن نعيد لأيامنا نكهة “أيام زمان”، ونعيش في بيئة يسودها الحب والتراحم والتعاون، وننعم بجيرة صالحة، ومساجد عامرة، وقلوب مطمئنة، ونكون قدوة لأبنائنا في بناء مجتمع متماسك ينهض بقيمه، ويزدهر بأخلاقه، ويكون خير خلف لخير سلف.






