بقلم:بدرية مبارك الدرعي
منذ فترة، جاءت ابنتي سمية تشكو إليَّ من معلمة في مدرستها، قالت إنها تُعاملها بطريقة سيئة، وتتعمد مضايقتها دون سبب واضح، ومع تكرار الشكوى، قلت لها مطمئنًا: “لا تقلقي يا حبيبتي، سأتدبَّر الأمر.”
في اليوم التالي، ذهبتُ إلى المدرسة في وقت حصة تلك المعلمة تحديدًا، وطرقتُ باب الفصل، وعندما فتحت لي المعلمة الباب، سألتها بلطف: “هل يمكنني رؤية الطالبة سمية علي عبدالله من فضلك؟
نادت على سمية، وما إن رأتني حتى أسرعت نحوي، فأظهرتُ على وجهي كل مشاعر الفرح والشوق، وركعتُ على ركبتيَّ، واحتضنتها بشدة، ثم قبلتها وأخرجت لها قطعة بسكويت، وقلت لها:اشتقتُ إليك كثيرًا يا سمية.
فردت: وأنا أيضًا، يا أبي.
ثم أضفت: تفضلي يا حبيبتي، لقد نسيت أكلتك المحببة، كل ذلك كان أمام المعلمة، ثم وقفت وسألتها: هل تواجه سمية أي مشاكل في الفصل؟ فردت،أبدًا، إنها من أفضل الطالبات عندي،
-الحمد لله- فهي على السمع والطاعة، وأعرف جيدًا أنها مؤدبة وتُحسن التصرف.
ثم شكرت المعلمة، وقلت لسمية وأنا أغادر:
اسمعي كلام المعلمة، وكوني دائمًا فتاة مهذبة.
-حاضر يا بابا، وإذا أزعجك أحد، توجهي مباشرة إلى المعلمة، فهي من سيحرص على إنصافك.
في اليوم التالي، سألتُ سمية عن حالها، فأخبرتني أن المعلمة تغيرت تمامًا في تعاملها معها، وأصبحت أكثر لطفًا واهتمامًا، ولم تعد تضايقها كما كانت تفعل سابقًا، واستمر الحال على هذا النحو حتى نهاية العام الدراسي بأكمله.
أحيانًا لا تحتاج إلى الصدام كي تحمي من تحب، بل إلى لمسة حب، إلى قوة ناعمة في الوقت المناسب، تُظهر قيمته وتُذكِّر الآخرين أنه ليس وحيدًا.، لقد علَّم الأب المعلمة دون أن يهاجمها، وساند ابنته دون أن يُجرحها، فكانت النتيجة احترامًا متبادلاً ومحبة باقية.. القصة من حساب.farid alshahwarzi.
كم مرة انتهى خلاف بسيط بتحول علاقة مهمة إلى خصومة مؤلمة؟ وهل تساءلنا: لماذا نلجأ إلى لغة الشدة والمواجهة في البداية، في الوقت الذي نملك فيه كلمات لها القدرة على بناء جسر للتفاهم بدلاً من حفر خندق للفرقة؟
لا يختلف إثنين أن الدخول في حوار أو نقاش بـ غضب واضح ونبرة صوت عالية أو حادة هي بمثابة إعلان حرب غير مُعلن، حتى وإن كانت الكلمات المستخدمة محايدة أو لا تتضمن إساءة مباشرة للطرف الآخر، فإن النبرة الغاضبة والتعبير الصارخ يتحول إلى رسالة عدوانية بحد ذاتها، هذه النبرة تضع الطرف المستقبل في موقف دفاعي فوري، وتجعله يستقبل الرسالة بعقل مغلق ومشاعر مستنفرة، مما يحوّل الحوار مباشرة إلى صدام محتمل، ويبطل أي فرصة لتقبّل وجهة النظر مهما كانت منطقية أو سليمة، فيبدأ الدوران في حلقة مفرغة، وتجاهل مبررات الطرف الآخر، والتركيز على فرض الرأي، ويبدأ تصعيد الخلافات بدلاً من حلها، ويتحويل الخلاف إلى خلاف شخصي أو عداء، ويتم تغذية بالعناد، أو التشكيك في النوايا، أو استخدام أساليب تهدف إلى الإضرار بالطرف الآخر أو التقليل من شأنه، بدلاً من البحث عن تسوية، ويسعى ذلك الطرف إلى تضخيم المشكلة، وتحويلها من قضية قابلة للحل إلى صراع مستمر مما يقود حتماً إلى القطيعة والعداء المستمر.
في حين أن لدينا مفتاح لحل الكثير من المشكلات يكمن في قوة ناعمة وبمعنى آخر قوة الود، ولغة الحب، والتعامل للطيف، فابتسامة، أو كلمة لطيفة تزيل حواجز الدفاع التي يبنيها الطرف الآخر، ويجعله أكثر استعدادًا للاستماع، فعندما تتعامل بلطف، فإنك تُرسل رسالة غير مباشرة مفادها (أنا أحترمك وأحترم رأيك حتى لو اختلفنا) وهذا يجعل الطرف الآخر أكثر مرونة في التعامل معك، فلو تطرقنا مثلًا في بيئة العمل، فبدلًا من توجيه النقد اللاذع، والاندفاع لجلد زميل أخطأ بعبارات قاسية، ما أجمل أن تبدأ بمظلة التقدير التي تحمي كرامة الموظف وتحافظ على دوافعه، وكذلك الحال في الحياة الزوجية فالكلمة الهادئة والاحتواء، كثيرًا ما حل خلافًا كبيرًا كان سيؤدي إلى صراع لو بدأ بالصراخ.
ولنا في رسول الله أسوة حسنة، فلو تطرقنا إلى سيرته عليه أفضل الصلاة والسلام لوجدنا أن اللين واللطف هما القوة الحقيقية في التأثير والإصلاح، لقد كان منهجه في حل المشكلات وتوجيه الأخطاء، فهو يقوم على تحفيز الفضيلة وتشجيع الاحتمالات الإيجابية، لا على التوبيخ والتقصير، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل أصحابه بـ الفضاضة أو اللفظ السيئ، لأنفضوا من حوله، فهذا ما ذكره ربنا في سورة آل عمران في الآية 159: “وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”
وهذا أيضًا ما يؤيده علماء النفس فقد أشاروا أن التعامل بود والكلمات اللطيفة تخفف من إفراز هرمونات التوتر والغضب (مثل الكورتيزول) لدى الطرفين، مما يفتح المجال للتفكير العقلاني.
وأخيرًا: تجنب لغة الصدام الخاسرة التي تخلق عداوات وتزيد من توترك، وأعلم أنك حتى لو انتصرت في النقاش فأنه يُخلف ضغائن تجعل المشكلات المستقبلية أصعب وأكثر تعقيدًا فإنك غالبًا ما تخسر علاقة أو تترك أثرًا سلبيًا يصعب محوه.
لذا أبذر بذرة الكلمات الجميلة الممزوجة بالود، والمغلفة بأحترام التي تُنهي الصراع قبل أن يبدأ، فهذا ليس ضعفًا أو تهاونًا، بل هو قوة إنسانية وفكرية تتطلب نضجًا وتحكمًا بالنفس.
عزيزي القارئ: ها أنا ذا أدعوك إلى خوض تجربة “القوة الناعمة” كأول سلاح في صندوق حل المشكلات لمدة أسبوع، ومراقبة النتائج المذهلة.




