بقلم: أحمد بن علي القطيطي

مسافات محتضرة ج١
الأسرة هي النواة الأولى في بناء الإنسان، وهي الحضن الدافئ الذي يحتضن الطفل منذ لحظة ولادته، فتغرس فيه القيم وتعلمه المبادئ، وتمنحه الأمان العاطفي الذي يحتاجه لينمو سليم النفس متزن السلوك، فالأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل دروس الحياة الأولى، ويتعلم من خلالها كيف يتعامل مع نفسه ومع الآخرين، وكيف يميز بين الخير والشر والصواب والخطأ.
في كنف الأسرة يتشكل وعي الطفل وتُبنى شخصيته وتُرسم ملامح مستقبله، فالأب والأم هما القدوة الأولى التي يراها الطفل ويقلدها في كل شيء، من طريقة الحديث إلى أسلوب التعامل إلى نظرة الحياة، فإذا كان الوالدان يتحليان بالأخلاق الحميدة والرحمة والحكمة، فإن الطفل يكتسب هذه الصفات دون أن يشعر، أما إذا كان البيت يعاني من التوتر أو العنف أو الإهمال، فإن ذلك ينعكس سلبًا على نفسية الطفل، ويؤثر على سلوكه في الحاضر والمستقبل .
لكن دور الأسرة لا يكتمل دون دعم المجتمع، فالمجتمع هو الامتداد الطبيعي للأسرة وهو البيئة الأوسع التي ينمو فيها الطفل ويتفاعل معها ويتأثر بها، فبعد أن يخطو الطفل خطواته الأولى في البيت يخرج إلى المدرسة والحي والنادي والمسجد، وهناك يبدأ في اكتساب خبرات جديدة ويتعرف على أنماط مختلفة من السلوك، ويتعلم كيف يكون فردًا في جماعة، وكيف يتعامل مع الآخرين في إطار من الاحترام والمسؤولية .
المدرسة على وجه الخصوص تلعب دورًا محوريًا في تعزيز ما غرسته الأسرة، أو في تصحيح ما فاتها فهي ليست مكانًا لتلقي العلوم فقط، بل هي بيئة تربوية تشكل وجدان الطفل، وتغرس فيه القيم وتعلمه الانضباط والتعاون والاحترام والمعلمون الذين يتحلون بالأمانة والعدل والرحمة يتركون أثرًا عميقًا في نفوس طلابهم، ويكونون قدوة حقيقية لهم في السلوك والعمل .
ولا يمكن إغفال دور وسائل الإعلام في هذا العصر، فهي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الطفل، وتشكل جزءًا كبيرًا من وعيه وثقافته، لذا فإن تقديم محتوى هادف يحترم القيم ويعزز الهوية ويبتعد عن العنف والانحلال هو مسؤولية مجتمعية كبرى، يجب أن تضطلع بها المؤسسات الإعلامية بكل وعي ومسؤولية.
كما أن المؤسسات الدينية لها دور كبير في تنشئة النشء الطيب، فهي تغرس في الطفل القيم الروحية وتعلمه معنى الرحمة والتسامح والانتماء وتربطه بخالقه وتمنحه الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية تجاه نفسه وتجاه الآخرين وتجاه مجتمعه.
الحي والجيران أيضًا يشكلون جزءًا من البيئة الاجتماعية التي تؤثر في الطفل، فالمجتمع الذي يسوده الاحترام والتعاون والتكافل يخلق بيئة صحية للنشء، ويعزز فيهم روح الانتماء والمسؤولية أما المجتمعات التي تنتشر فيها السلبية أو العنف أو التفكك، فإنها تضعف مناعة الطفل النفسية وتجعله عرضة للانحراف أو الانغلاق.
إن تنشئة النشء الطيب مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع ولا يمكن لأي طرف أن يقوم بها وحده، فالتربية ليست مهمة لحظية بل هي عملية مستمرة تتطلب تضافر الجهود وتكامل الأدوار، فكل كلمة تقال وكل موقف يُعاش وكل سلوك يُمارس يترك أثرًا في نفس الطفل ويشكل جزءًا من شخصيته.
ومن المهم أن ندرك أن التربية لا تعني فقط تعليم الطفل ما يجب أن يفعله، بل تعني أيضًا أن نكون نحن الكبار قدوة له فيما نقول ونفعل، فالكلمات وحدها لا تكفي إذا لم تكن مدعومة بسلوك صادق ومواقف حقيقية تعكس القيم التي نريد غرسها في نفوس أبنائنا.
في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه الأسرة والمجتمع تبرز الحاجة إلى مراجعة أساليبنا التربوية، وتحديثها بما يتناسب مع متغيرات العصر دون أن نفرط في قيمنا الأصيلة، فالتكنولوجيا والانفتاح الثقافي والعولمة كلها عوامل تؤثر في النشء وقد تحمل في طياتها فرصًا كما تحمل تحديات .
من أبرز التحديات التي تواجه التنشئة اليوم التفكك الأسري الذي ينتج عن الطلاق أو الانشغال أو غياب أحد الوالدين وهو ما يؤثر على استقرار الطفل النفسي، ويجعله يبحث عن الأمان في أماكن أخرى قد لا تكون آمنة كما أن الإدمان الرقمي والاستخدام المفرط للأجهزة الذكية يخلق عزلة اجتماعية ويضعف مهارات التواصل لدى الأطفال .
ولمواجهة هذه التحديات لا بد من تبني حلول عملية تبدأ من داخل الأسرة مثل تخصيص وقت للحوار مع الأبناء والاستماع إليهم ومشاركتهم اهتماماتهم وتقديم الدعم العاطفي لهم كما يجب على المدارس أن تعزز دورها التربوي من خلال مناهج تركز على القيم ومهارات الحياة وليس فقط على التحصيل الأكاديمي .
كما أن المجتمع بحاجة إلى مبادرات تجمع بين الأسر وتخلق بيئة تفاعلية تشجع على التعاون والتكافل وتعيد للروابط الاجتماعية قوتها وأهميتها فحين يشعر الطفل أنه جزء من مجتمع متماسك ومحترم فإنه ينمو بثقة ويشعر بالانتماء ويصبح أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية والمساهمة في بناء وطنه .
إن النشء الطيب هو أمل الأمة ومستقبلها وهو الثمرة التي نجنيها من غرسنا التربوي والاجتماعي فالأبناء الذين ينشؤون على القيم والأخلاق والانتماء يصبحون قادة المستقبل وصناع التغيير وحماة الأوطان وهم الذين يحملون راية البناء والتقدم ويواصلون مسيرة العطاء .
ولأجل هذا الهدف النبيل يجب أن نضع تنشئة النشء في مقدمة أولوياتنا وأن نمنحها ما تستحقه من اهتمام وجهد وتخطيط فبصلاح النشء تصلح الأمة وبفساده تضعف وتنهار .
للحديث بقية..




