بقلم: بدرية مبارك الدرعية
بينما كان الرجل يسير مع عائلته قبل المغرب بقليل، تعطلت سيارته. لم يتوقف له أحد لمساعدته بسبب مظهره غير المرتب. وبعد أن قام بتنظيم مظهره بناءً على نصيحة زوجته، توقف له رجل غريب يدعى إبراهيم. حمل إبراهيم الرجل وعائلته معه في سيارته. أثناء الحديث، عرف الرجل أن إبراهيم كان يعمل في الدفاع المدني وتم فصله، وأن ملفه الوظيفي (معاملته) كان عند شخص اسمه أحمد بن كدسة، وكان إبراهيم يأمل في استعادة وظيفته. وصل الجميع إلى بيت أخو الرجل في الدمام. وأثناء وجودهم، دخل أخو الرجل، واسمه أحمد. قدم الرجل إبراهيم لأخيه قائلًا: “يا أحمد، هذا الرجل ساعدني… وهو مفصول من عمله في الدفاع المدني، ويأمل أن تعود معاملته للنظر.” نظر أحمد إلى إبراهيم وقال له: “أنت إبراهيم؟” فرد إبراهيم: “نعم.”
فقال أحمد مباشرة: “أعرف معاملتك. أبشر، بإذن الله بعد غد تعود إلى عملك.” هنا تفاجأ الرجل وسأل أخاه: “أحمد بن كدسة؟! هذا أخي الذي نحن في بيته!” نظر إبراهيم مذهولًا وعلق قائلًا: “سبحان الله!”نُقلت القصة بتصرف من حساب.farid alshahwarzi.
تُظهر لنا القصة قدرة الله تعالى على تدبير الأمور وتيسيرها بطريقة عجيبة تفوق توقعات البشر. تمر بنا أيام ونحن نتخبّط بين قلقٍ مستمر وتفكيرٍ مفرط، هل سألنا أنفسنا يومًا: إلى متى سنظل نحمل عبء تدبير حياتنا وحدنا، وهل يملك الإنسان حقًا القدرة الكاملة على تسيير مصيره؟ ستقول لي بالتأكيد لا، فمصيرنا بيد الله، فالأمر كله مردود إليه، إذًا لِمَ القلق؟ من الذي شق البحر لموسى؟ وأنجا إبراهيم من النار المتأججة؟، وألقى يونس إلى الشاطئ بعد أن التقمهُ الحوت؟ أليس الله، يقولون: لا يحزن الذي معه أب؛ فكيف يحزن بالذي لديه رب؟” هذا التساؤل البلاغي يرتقي بالإنسان من الاعتماد على السند المحدود إلى الثقة المطلقة في قوة الخالق. أليس كل شيء يعلمه ويصير بإذنه، وما يكتبه هو خيرًا لنا؟ أصابك المرض بعلمه، ارتفع السكر بعلمه، تعطلت الكُلى بعلمه. هذا الإيمان بالقضاء والقدر هو أساس الطمأنينة.
ما أجمل هذا التسليم الذي يحمل معنى تفويض الأمر كله إلى الله وحسن الظن به! وكما قال الأعرابي عندما سُئِل من سيحاسبنا يوم القيامة: قيل له: الله؟ قال: وهل عرفنا الخير إلا من الله؟” إنها قمة اليقين بأن المحاسب هو الرحمن الرحيم، مصدر كل فضل وخير. لكن هذا التسليم يحتاج إلى عمل وقاعدة ذهبية نسأل بها أنفسنا: هل أنت معه في السراء ليكون معك في الضراء؟ هذا هو جوهر التوجيه الإلهي الذي جاء في الحديث القدسي: “احفظ الله يحفظك”.
إذا علم الإنسان أن الله عليم بما يجري له، اطمئن قلبه؛ لأن كل تفصيل صغير وكبير يمر بعلم الحكيم الخبير، يقول ربنا في سورة البقرة”يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ” (الآية ٢٥٥). أنت لا تعلم في ملك الله إلا الشيء القليل، وما أراد أن تعلمه، فعلمك محدود وعلمه مطلق. هو يعلم كل شيء عنك؛ يعلم ما في قلبك وما توسوس به نفسك، كل خاطرة، وكل فكرة عابره، ويعلم مافي الغيب ومافي المستقبل، وهو محيط بكل شيء. ويقدر ولا تقدر، فقدرتك متناهية وقدرته لا تُحد. وفي مواجهة قدرته المطلقة يتجلى عجز المخلوق: هل تستطيع أن تُنزل الغيث؟
هل تستطيع أن تمنع الليل أن يأتي؟
هل تستطيع أن تمنع الروح إذا خرجت أن تعيدها؟ اعلم أنه هو فقط، المتكفل بأمرك، لن تجد لقلبك راحة وطمأنينة أعظم من أن تسلم مقاليد حياتك له، ثقةً في حكمته وعدله ورحمته. الإيمان المطلق بأن الأمر كله مردود إليه، وأنه العليم بما يجري، والحكيم فيما يختار.
في ختام هذا التفكر العميق، الذي بدأ بالقلق والتساؤل وانتهى باليقين والتسليم، نجد أن مفتاح السكينة في عصر القلق هو التجسيد العملي لمعنى التوكل والتسليم، لا طمأنينة للنفس ولا سكون للقلب إلا بالارتماء الكلي في رحاب التوكل على الله وحسن الظن به. وحده، فسلم الأمر إليه ترتح، ففيه وحده تكمن راحة القلب وسكون الروح. فهو القادر على تسيير حياتنا إلى أحسن الأقدار، فله القدرة المطلقة، وله العلم المطلق، وله الأمر كله من قبل ومن بعد.





