بقلم: أ. محمد بن علي بن سالم الشعيلي

خلق الله هذا الكون على نظام من الترابط والتكامل، فلا شيء فيه يعيش لنفسه وحدها، ولا أحد يستغني عن أحد. ومن هنا كان ردّ الجميل خُلُقًا من أرفع الأخلاق، وترجمةً صادقة للعرفان والامتنان، ودليلًا على صفاء النفس ورقيّها. لكنّ نكران الجميل هو كسرٌ لهذه السلسلة الفطرية التي تربط الإنسان بغيره، بل وبخالقه. فهذا جحودٌ يطفئ نور القلب، ويُعمي البصيرة، حتى لا يعود صاحبه يرى الفضل إلا في نفسه، ولا الخير إلا ما صنعه بيديه.
إنّ من أقبح صور النكران أن تُسيء إلى من أحسن إليك، أو تقلّل من شأنه، أو تبرّر جحودك بحججٍ واهية. وكلما عظم صاحب الجميل عليك، كلما كان النكران أشنع وأقبح. فكيف بمن ينكر جميل الله عليه، وجميل والديه وقد قال الله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣]. ومن ينكر جميل وطنه الذي احتضنه صغيرًا وفتح له أبواب الأمل، فقد أنكر نفسه، وجحد جذوره، وتنكّر لانتمائه. وأقبح من ذلك كله، أن ينكر الإنسان جميل الله عليه، فيجحد النعم ويتمرّد على الفطرة التي فطره الله عليها.
كل خروج عن الطريق السوي هو في جوهره نكرانٌ للجميل. فالمثلية انحراف عن سنة الله وإنكار لنعمة الخِلقة والستر، والتمرُّد الأيديولوجي على الأهل والمجتمع إنما هو جحود لمن كان سببًا في الوجود والحياة، لا وعيًا ولا تحررًا كما يُزعم. والعجيب أن ناكر الجميل يظن أنه بهذا الجحود يرفع من شأنه أو يحمي ذاته، بينما هو في الحقيقة يهدم ما تبقّى من إنسانيته، ويقصم عُرى الوفاء بداخله.
وقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم خُلُق الاعتراف بالفضل فقال:( من أُعطي عطاءً فوجد فليجزِ به، ومن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر). وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام:
( من لم يشكر الناس لم يشكر الله ). فالشكر ليس مجرد كلمات تُقال، بل سلوكٌ يُترجم، وموقفٌ يُعبّر عن صدق الإحساس بالجميل.
إنّ ناكر الجميل يشبه الأعمى الذي استعان بعصاه ليهتدي بها في ظلامه، فلما أبصر النور كسر عصاه ورماها. لم يدرك أن العصا كانت رمزًا لرحلةٍ صعبةٍ أوصلته إلى النور، تمامًا كما أوصلته الأيادي التي أحسنت إليه إلى ما هو عليه.
يا ناكر الجميل…
تذكّر أن الفضل لا يُمحى بالجحود، وأن المعروف لا يضيع عند الله، وأن من جحد الوطن والناس جحد الله. فالجميل دين، والاعتراف به شرف، ونكرانه سقوط لا يليق بإنسان كريم النفس، سوي العقل.





