الغوص يجسد جانبًا من الهوية العُمانية البحرية بساحل الباطنة (الجزء الثاني)

كتب: سعيد بن خميس الهنداسي

ولا زال خالي سالم يعيش تفاصيل ذكرياته في خمسينيات القرن الماضي قائلًا: “واستمر المحمل بعدها لعدة أيام، يُبحر من موقع إلى آخر، وكل موقع كان له خصوصيته فهذه المواقع لا تخفى على أحدٍ منهم، فهي أماكن معروفة بين أهل البحر والغوص وهم على دراية بها، ويقوموا بما يتبع ذلك من أعمال مصاحبة لهذه العملية.”

“وعند وصولنا نهاية ولاية بركاء، وقفنا للمبيت بمنطقة المنومة الهادئة، مستمتعين برمالها الناعمة والناصعة البياض، وقد سمعنا بأن السنيار سبقنا إلى هذا الموقع، وهناك التقينا بمجموعات غوص كثيرة، تبادلنا معهم الأخبار؛ كما التقينا بمجموعة غوص من القصبية”، قالوا: “هلا بالحاج عبيد بن حماد وجماعته هلا بأهل الخويرات، بشروا شيء حصلتوا، وأثناء تبادل الحديث شاهدوا الحصباة التي معنا، وأشاروا علينا أن الحصباة التي التقطناها زينة ولكن..(قالوها بتردد)، هل كلامهم هذا كان من واقع خبرة أو فيهم غيرة أو شيء من هذا القبيل، الله أعلم.”

“واصل حديثهُ قائلًا:”وفي اليوم التالي كملنا المسير وعندما نحصل على فرصة نطرح للغوص، إلى أن وصلنا ضحى اليوم التالي لمطرح، والله أراد أن يلتقي والدي عبيد بن حماد بصديقه جواد بن خميس بن غلوم من سكان مطرح والخابورة، حيث أشار جواد أن يعرضوا الحصباة على (البانيان) التاجر الهندي المتواجد بمطرح في عصر ذلك اليوم، وعند عودته، أخبر الجماعة بالموضوع، إلا أن خلفان بن ثاني ومبارك بن ثاني كان لهم رأي اخر، قالوا إذا اشترى البانيان الحصباة سيتم استقطاع مبلغ عموله ومبلغ آخر رسوم لمكتب الولاية وما يبقى لنا شيء، قال لهم النوخذة أنا وعدت جواد لكن ما هو رأيكم الآن، قالوا نبيع للتاجر الذي من دبي، واتفق الجميع على ذلك فيما بعد، مع وجود سرية ومخاطرة في ذلك، ثم توّجه كلًا من النوخذة عبيد وأخيه خلفان ومحدثكم سالم وخلفان ومبارك أولاد ثاني وجميعنا ليس لديه خبره في موضوع بيع مثل هذه اللآلئ، المهم أنه توجه الجميع إلى التاجر العبدولي لمناقشة موضوع بيع الحصباة، وهنا طلب التاجر من النوخذة الحصباة وجلس يتفحصها، ثم تأكد من أنها لؤلؤة حقيقية، وفيها وزن أكثر حتى أنه تطمع فيها، قال بكم تريدوا بيعها، ومع ذكر الثمن المطلوب فهم التاجر أنه ليس لدى الجميع معرفة بقيمتها، فأعطاهم سعر بسيط، وهم يقولوا ما يناسب وهو يزيد كل مره مئة، ويقول أفلح يا عبيد افلح بيع بيع، وكان متأمل النوخذة إنه يرجع لجواد بالسوق، لكن خلفان بن ثاني وأخيه قالوا له اذا ما بعت الان، وطلعت قيمتها اقل مع البانيان ترانا بنحسبها عليك، إلى أن تمت البيعة بمبلغ ٢٧٠٠ربيه هندية، لكنهم في الأخير اكتشفوا أن التاجر غرّهم كثير وأن سعر اللؤلؤة أكثر من الذي اتفقوا عليه بعدة اضعاف.”

“ثم أن جواد وصلته علوم أهل الخويرات بأنهم باعوا للعبدولي تاجر دبي، وهنا كان لابد من وضع خطه محكمة للخروج من مطرح قبل أن تأخذ الجهات الأخرى إجراءات ضدنا، وتم إخبار المجموعة اللي بالمحمل أنهم يتحركوا بهدوء حتى يعدوا دارسيت وهناك تم اللقاء بين مجموعة الماشوه ومجموعة السفينة، وتم التحرك السريع قبل أن يكتشف الامر، وقد بذلوا جهد مضاعف (باليرة) التجديف في عز الظهيرة إلى أن صرنا بعيد، وبالتحديد قرب ميناء الفحل، ثم علينا الشراع وفي الطريق انكسر علينا (السكان) مقود السفينة الشراعية، وهنا تم قلع السكان وإنزال الأشرعة، وتم تركيب المجاديف مرة أخرى، حتى تمكن القلاف خادوم من إصلاحه بتركيب (شنايص) دعائم له حتى تأكد من فعاليته.”

“ولما وصلت السفينة (سديرة) طلائع الخويرات، عائدة من رحلة الغوص، إذا بالأعلام الخضر ترفرف على البيوت، تعبيرًا عن فرحة الأهالي، وهنا قالت عائشة بنت علي بن سعيد المزينية هذه الأبيات، مبتهجة بعودة ابنها سالم وزوجها عبيد بن حماد القطيطي واهلها سالمين:

شلت سديرة شلت بشراعها الجديد
نوخذاها عبيد وسالم سناده اليمين

قاصدين الغوص دام خلفان العضيد
جابوا من البحر لؤلؤ ودرٍ ثمين

مطرح قصوها وعاد كل منهم سعيد
وبشراعهم واليره وصلوا لنا مسرعين

وقالوا نبا الخابورة ومسكد علينا بعيد
واليوم نورت البلاد بوصولهم سالمين”

ويختتم خالي سالم ذكرياته، قائلًا: “استغرقت رحلة الغوص هذه ثمانية عشر يومًا، وقد عايشت بنفسي هذه الرحلة لم تُروَ لي كحكاية، رأيت الوجوه المتعبة، والأيادي المتشققة، والقلوب المعلّقة بلؤلؤة تنقذ الموسم، إنها تاريخٌ من العرق والرجولة، نُقشت في ذاكرة البحر، وفي صدور من عاشوها.”

هكذا كانت رحلة الغوص مشقة، وصبر، وأمل يرافق الرجال مع كل غوصة، بين موجٍ لا يرحم، وعمقٍ يحتضن المجهول، لم تكن مجرد رحلة للرزق، بل امتحانًا للرجولة، ودرسًا في الصبر والتضحية والتحمل، وبقيت حكاياتهم شاهدة على زمنٍ لم يكن فيه إلا الرجال، والبحر، والإيمان بالرزق المكتوب، لتسجل في ذاكرة الزمن بأن أهل ساحل الباطنة مروا بهذه الظروف القاسية، ولم تمنع أهل الخويرات وأهل الغليل من شق عباب البحر ومخاطرة، حالهم حال كل ساكني الساحل العماني، فلم يكن الغوص مجرد مهنة، بل أسلوب حياة، يحمل في طياته قصص الكفاح والبطولة، ويجسّد جانبًا من الهوية العُمانية البحرية الأصيلة.