بقلم: سليمان بن حمد العامري

لم يعد الاحتيال خبرًا عابرًا، ولا السرقة حدثًا طارئًا. بل صار شبحًا مقيمًا يظهر كل عام بوجهٍ جديد، ويتلوّن بألف حيلة وبأساليب متنوعة. تارةً يتخفّى في ثوب التجارة الرابحة، وتارةً يتسلل من نافذة التقنية المتطورة. وما يثير العجب – بل العجب العُجاب – أن الضحايا ليسوا من السذّج وحدهم، بل من التجار المجربين وأصحاب المال المتيقّنين، الذين خبروا السوق وسلكوا دروبه. فإذا بهم يقعون في مصائد محكمة، ويُساقون إلى فخاخ، كأنما نسيتهم الخبرة أو سبقتهم الحيلة.
هنا ينهض السؤال المحير: كيف يُخدع الخبير؟ وكيف يسقط المتمرّس في مصيدة يسهل على المبتدئ تجنبها؟ أهي نزعة الطمع التي تُعمي؟ أم هي شبكات منظمة تخفي وراءها أذرعًا نافذة وأيادي عابثة، تُغري بوعود زائفة، وتبتلع الأموال بابتسامة مخادعة؟
اليوم، لم تعد الشركات الوهمية وحدها مصدر البلاء. حتى بعض الشركات الموثوقة أصبحت أداة للخداع والالتواء. شركات تعدك بالذهب، فإذا بها تُسقطك في هاوية الوهم، كأنك تمشي على جسر زجاجي هشّ. تُريك قصورًا في الهواء، ثم تتركك تائهًا في الصحراء. والأخطر من ذلك أنها قد تتزيّن بأسماء لامعة، أو تُسوّق مشاريع مغرية، فتخدع العيون وتغفل العقول. وربما ما يُدار في الخفاء أعظم مما يظهر للعيان.
الاحتيال لم يعد فعلًا فرديًا معزولًا، بل شبكة متشابكة الحلقات، تمتد خيوطها كالعناكب الخفية إلى أبعد من حدود الأوطان، وقد تستظل بظل الفساد المنظم والسلطان. وما لم نتحصّن بالوعي واليقظة، فإن الأفراد سيظلون فريسة لهذه الشبكات، سواء كانت محلية أو خارجية، واهية أو موثوقة.
الحماية ليست مالًا يُدّخر، بل وعيًا يُستنفر. الوقاية ليست في الأبواب المغلقة، بل في القلوب المتيقظة والعقول المتبصّرة. فالوعي درع، واليقظة سيف، والمسؤولية حصن منيع. وقد لخّص رسول الله ﷺ المعنى حين قال: أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…
المسؤولية أمانة، والغفلة خيانة. وما لم نُحصّن أنفسنا بالوعي التكنولوجي، والحذر المالي، والرقابة الاجتماعية، فإن هذه الشركات – سواء كانت واهية أو واثقة – ستظل تصطاد الضحايا كما يصطاد الصياد الطيور الغافلة في الفجر.
فلنكن يقظين. لا نغفل عن الخطر، ولا نغرق في الوهم. لتكن عقولنا مرآة صافية تكشف الحيل وتزيل الأوهام. فالوعي حصن، والحذر سيف، والمسؤولية قنديل يضيء الطريق وسط الظلام الرقمي.






