حاورها : خميس الذيابي

في عالم يموج بالتحديات والصراعات الإنسانية، تبرز أصوات قادرة على تحويل الألم إلى كلمات ملهمة، والكلمات إلى طاقة نور تهدي القلوب. الكاتبة خديجة بنت أحمد الهوتي، طالبة القانون التجاري، تحمل في طيات تجربتها مزيجًا من الفكر والوجدان، بين التحليل العميق للمشاعر الإنسانية، والاستفادة من منطق القانون وريادة الأعمال. في هذا الحوار، نفتح معها أبواب رحلتها مع الكتابة، ونتوقف عند تفاصيل كتابها الأول “مُت وأنا على قيد الحياة”، الذي يعكس فلسفة مواجهة الألم والسقوط، والنهوض من جديد.
من أين بدأت رحلتك مع الكتابة؟ وما الذي أشعل فيك هذا الشغف بالكلمة؟
“منذ طفولتي كنت أكتب أشياء بسيطة وأدوّن مشاعري، وظننت وقتها أنني الوحيدة التي تمر بهذه العقبات. لكن مع مرور الوقت اكتشفت أن كثيرًا من الناس يواجهون صعوبات في حياتهم، بعضهم يتحدث عنها، وبعضهم يعيش مطبات أصعب مما تخيلت. رأيت كيف أن كل واحد يسلك طريقًا مختلفًا؛ منهم من وجد النور وخرج من أزماته، ومنهم من ظل في الفوضى والضجيج والاستسلام. من هنا ولدت رغبتي في الكتابة، لأحوّل تلك المشاعر والتجارب إلى كلمات تمنح القارئ إحساسًا بأنه ليس وحده، وتفتح أمامه نافذة أمل على الحياة”.

كونك طالبة قانون تجاري، كيف استطعتِ التوفيق بين الدراسة الأكاديمية وميولك الأدبية والفكرية؟
“القانون والكتابة مرتبطان بطريقة عميقة بالنسبة لي. فالقانون يقدم حلولًا للمشكلات الواقعية ويمنح استشارات تساعد الناس على تجاوز صعوباتهم العملية، بينما الكتابة تعمل على حل مشكلات المشاعر التي تظهر بعد تلك الصعوبات، فتكون وسيلة لمساعدة الناس نفسيًا وفهم أنفسهم بشكل أعمق. بهذا الشكل، أرى أن كلاهما يكمل الآخر في خدمة الإنسان بطرق مختلفة”.
كتابك يحمل عنوانًا لافتًا: “مُت وأنا على قيد الحياة”. كيف وُلد هذا العنوان، وما الذي يختصره من تجربتك أو رؤيتك؟
“اخترت هذا العنوان لأنه الأقرب لمشاعر أولئك الذين انطفأوا من الداخل، يعيشون وكأنهم أموات بلا هدف ولا أمل. هو عنوان يلخص إحساس الفقدان الداخلي والعيش بلا حياة حقيقية رغم وجودهم”.
ما الذي يميّز هذا الكتاب عن غيره من الكتب التي تتناول الصراعات الإنسانية والنهضة بعد الألم؟
“الكتاب قريب جدًا من النفس، فهو لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل رحلة صادقة مع الذات، بين فلسفة الحياة وعمق المشاعر، بأسلوب قصصي واقعي يمس القارئ ويجعله يعيش التجربة معه”.
ذكرتِ أن الكتاب يمزج بين الأسلوب الفلسفي والعاطفي والقصصي. كيف تعاملتِ مع هذا التنوع لتقدمي نصًا متماسكًا ومؤثرًا؟
“اعتمدت على ربط كل قصة أو مونولوج بفكرة أساسية، ثم أعطيت المساحة لكل أسلوب ليخدم الرسالة. الفلسفة تحلل، العاطفة تشعر، والقصة تُظهر الواقع”.
ما الرسالة الجوهرية التي تريدين أن تصل إلى القارئ من خلال كل قصة أو مونولوج في كتابك؟
“أردت أن أكتب عن تلك الفجوات العاطفية التي نشعر بها عندما تتساقط الأحلام من السماء. قد تكون كلماتي نافذة جديدة يرى من خلالها الجميع أن الحياة ليست مجرد سلسلة من الخيبات، بل هي مزيج من التجارب التي تهدينا إلى النور. في هذا الكتاب، أسعى لأن تكون الكلمات أجنحة تطير بنا فوق همومنا، تذكرنا أن كل ليلة مهما طال أمدها، لا بد أن يشرق عليها فجر جديد”.
هل تعتبرين الكتاب بمثابة تجربة شخصية بحتة، أم أنه انعكاس لأصوات وتجارب بشرية أوسع قابلتها في حياتك؟
“هو مزيج بين الاثنين. تجربتي الشخصية كانت الأساس، لكن الكثير من الأصوات والتجارب الإنسانية حولي أثرت في الكتاب وأضافت أبعادًا أوسع للمعاناة والأمل”.
كونك مهتمة بريادة الأعمال واستكشاف الفكر الإنساني، كيف يلتقي عالم الاستثمار والأعمال بعالم الكتابة والتحليل الإنساني في شخصيتك؟
“دائمًا ما نشعر أننا نمضي في الحياة دون أن نعيشها حقًا. ريادة الأعمال تعلم الإنسان كيف يعيش وتُهيئه لمواجهة تحديات الحياة، فبين الفشل والنجاح تتشكل شخصية قوية وواعية، مليئة بالخبرة والقدرة على القيادة. بهذا الشكل، أرى أن عالم الأعمال والتحليل الإنساني يتقاطعان في صقل الشخصية وفهم الحياة بعمق”.
هل ترين أن الكاتب يمكن أن يكون رائد أعمال فكريًا أيضًا؟ وكيف ذلك؟
“نعم، فالكاتب يخلق أفكارًا، يبتكر رؤى، ويصنع محتوى يُغير حياة الآخرين. هذا نوع من ريادة الأعمال الفكرية: تحويل الفكر إلى تجربة، وتحويل القلم إلى مشروع يلامس الناس”.
ما الذي يلهمك أكثر في التجارب الإنسانية التي تقابلينها لتدوينها وتحويلها إلى مادة أدبية؟
“القصص الحقيقية، الصراعات الداخلية، والانكسارات التي تعكس قوة الإنسان، هي أكثر ما يلهمني. لحظة صدق الإنسان مع نفسه تُترجم إلى كلمات قوية وواقعية”.
كيف تتوقعين أن يستقبل القراء هذا العمل، خصوصًا من يعيشون تجارب مشابهة؟
“أتوقع أن يجدوا فيه صدى لمشاعرهم، وربما شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الألم، وأن هناك دائمًا أمل في التجدد والنهوض”.
هل لديك مشاريع أدبية أو فكرية أخرى قادمة تكمل هذه التجربة؟
“نعم، لدي مشاريع صغيرة تجمع بين الفلسفة، التحفيز، وتحليل التجارب الإنسانية، أعمل على تطويرها لتكون امتدادًا لما بدأته بهذا الكتاب بإذن الله”.
ما النصيحة التي تقدمينها لكل شخص يعيش فترة “الموت البارد” أو الاستسلام النفسي ليجد طريقه من جديد؟
“أنت لست وحدك في صراعاتك، ما دمنا في الحياة ولسنا في الجنة، فالسقوط قدر علينا أن نتجرعه يومًا ما. لكن المختلف أن بعضنا اختار طريق النهوض والسعي نحو العُلا والقوة والتطور. ما دمت قد اخترت طريق الارتقاء، فحتماً ستصل إليه، وعلى قدر بلائك سيزداد جزاؤك عظمة. فالاستسلام ليس حلًا، بل هو ضياع للوقت والصحة وطمأنينة النفس. الأيام ستمضي، فلا تجعلها فارغة، بل املأها بألوان محاولاتك، وابنِ من ذاتك شخصية قوية، واعية، وقادرة على مواجهة الحياة بكل شجاعة”.
خاتمة أدبية من الكتاب
“ليست الحياة سلسلة من الخيبات فحسب، بل هي مزيج من التجارب التي تقودنا إلى النور. كل ليلة مهما طالت ستشرق عليها شمس جديدة، وكل انكسار يحمل في داخله بذرة نهوض أعظم. ما دمت حيًّا، فما زالت لديك فرصة لتبدأ من جديد.”





