البيت الذي شيّدناه في صبانا


بقلم / سميرة أمبوسعيدية

في قريتنا الوادعة، ذات المرافئ الطبيعية الأخّاذة، تتسرب مياه الأفلاج برفق تحت ظلال النخيل والأشجار الباسقة، وتتناثر أشعة الشمس على صفحة الماء كأنها شظايا ذهبية راقصة، هناك، على ضفاف الفلج، كنتُ ورفيقات طفولتي نركض بخفة، نطلق الضحكات المجلجلة، نلتقط أزهار البرية ونحوك منها أكاليل عذبة، نغني أنشودات الطفولة، ونُطرّز حكايات عن أحلامنا البعيدة.

تسبق قلوبنا خطواتنا، وتتماهى خفقات الفرح في صدورنا مع صدى الطبيعة، نغمس أقدامنا في برودة الماء، فينساب إلينا شعور بالانتعاش والبهجة، كل لحظة هناك كانت تحمل عبق الذكرى، وتعيد إلينا شريط أيام مشرقة لا تذبل.

يا لجمال تلك الأزمنة، حيث كانت العفوية زادنا، والصداقة أثمن ما نملك، ومع ذلك، كانت لنا شجرة محببة، شجرة ليمون متفرعة الأغصان، مثقلة بالثمار، اتخذنا من ظلها مرجعًا لألعابنا ولهونا. وتحتها خطرت لنا فكرة بناء بيت صغير يكون مملكتنا السرية.

لا أذكر من همس بالفكرة أول مرة، لكننا جميعًا استشعرنا أننا قادرون على إنجازها بإمكاناتنا الطفولية المتقدة. فجمعنا الأغصان اليابسة والأوراق المتناثرة، واستعملنا الجذوع الصلبة من بقايا النخيل، التي نسميها عاميًّا (الزُّور)، لتشكيل الهيكل، فيما فرشنا السقف بخُصَف النخيل، وبعد ساعات من الجدّ، انتصب أمامنا بيت متواضع لكنه بهيّ، جلسنا في ظله نتقاسم القصص ونشاطر الأحلام، وكم هو بهيج أن ترى ما جال بخاطرك يتحقق بين يديك؛ فالحلم والبيت، وإن كانا بسيطين، يبدوان في عين الطفولة قممًا شاهقة.

لكننا لم نكتفِ بذاك، بل أبحرنا بخيالنا لصنع دمى من سعف النخيل وكربه، كنا ننسج منها أشكالًا تمثل الفلاحين والطيور والكائنات، ثم نضفي عليها ألوانًا طبيعية تزيدها حياة.

ومع الأيام، غدا البيت تحت شجرة الليمون ملتقى يوميًّا بعد المدرسة، نلعب بدُمانا، نقطف الليمون الطري، نرش عليه ذرات من الملح والفلفل ونتذوقه رغم حموضته اللاذعة، ونضحك حتى نتقوّس من شدة الطعم، كأننا نقوم بحركات بهلوانية لا يقدم عليها سوى المتهورين.

وهكذا تحول ذلك البيت الصغير إلى أيقونة للصداقة، ومسرح للمرح والبراءة، وذاكرة طفولة ستظل راسخة في أعماقنا ما حيينا.