الكاتبة: ثريا الربيعية

ملامحُ ذاك الطريق لم تتغير؛ فلم يكن كأي طريق عابر، بل كان يومًا ما أحبّ الطرق إلى قلبي، على جانبيه تصطفّ تلك البيوت القديمة، جدرانها المتشققة يعلوها الغبار، لكنّ أرواحُ ساكنيها ما زالت تنبض في أرجائها، ورائحة الماضي ما زالت تنساب من نوافذها، بيوت تجاورت كقلوب متقاربة عندما كان الدفء يُستمدّ من القرب وحسن الجوار.
في وسط الطريق مررت ببُستان جارنا الطيب- رحمه الله- مازال خضرًا بأشجار النخيل كما كان، تتدلى على سُوره شجرة المانجو المعهودة بطيبِ ثمارها، ولطالما كنا نتسابق إليها لواذًا وكأنّها شاهدة على شغب طفولتنا، وفي ظلالها تمتد سكة الحارة، ضيقةٌ ببساطتها، واسعة بذكراها، كشريان ممتد كان في يومه يعجّ بالحياة، هناك كنا نتسكع بلا همّ، نركض خلف أحلامنا الصغيرة، ونضحك بلا تردّد، حيثما أبصرتُ أجد ركنًا يحمل سرًّا، ومع كل عتبة باب أثر يذكرني بأهل المعروف وخيرة الجيران.
بيدّ أن شعور مختلف يخالج نفسي كلما تقدمت قدماي خطوة، فكلما اقتربت أكثر تثاقلت قدماي عن إكمال هذا المسير، وقبل نهاية الطريق وصلت إلى مقصدي، ذاك البيت المنزوي وحيدًا، فما لبث أن وقع بصري عليه حتى عاد بي الشعور إلى الذكرى الغافية بين جدرانه، التي قد تتكلم بقصص لم تزل حيّة.
لا ريب، فمن الصعب أن يعود المرء إلى بيت طفولته بعد غيابٍ وهجر، وقفت لبرهة أتمعّنُ فيه بنظرةٍ من بعيد، حيث بقي صامدًا بكل شموخه أمام قسوة الأيام، فتراءَى في خاطري حينَ كان يدب بالحركة مشرقًا دافئًا في كل فصوله، تأملتُ جدرانه ونوافذه، وسوره والباب الخشبي العريض الذي كان يتوسطه، لكن صورته بدت باهتة هذه المرة، فقد خفتت ألوانها، وذبلت ملامحها. فجأة أعادت إليّ اللحظة ذاتها شريطًا من الذكريات، مرَّ أمام عيني ممتزجًا بشيء من الأنس في الوجدان، فارتسمت على وجهي ابتسامة لا شعوريًا، فتلك الذكريات لا تُختزل في جدرانها ولا في أبوابها، بل في أهلها، ومن كانوا يغمرون المكان بحب، وبلا شك أن البيوت تبقى حيّة في القلب؛ مهما غابت معالمها فإنها تتحول إلى حكايات لا تنتهي، وصفحات لاتُنسى.
هكذا لم يكن ذاك البيت واسعُ المساحة فحسب، بل كان واسع الصدر يحتضن الجميع كهوية نحملها معنا أينما ذهبنا، فكل حجرة من حجراته -رغم بساطة أثاثه- نراها قصرًا صغيرًا يحتضن أحلامنا، وكل زاوية فيه تحكي قصة: رائحة خبز أمي في الصباح وأكواب الشاي بلونها الذهبي، أصوات الأقدام الصغيرة التي تركض في الممرات، ولايغيب عن بالي صوت دعاء جدتي الذي يملأ البيت بركة وسكينة، وكذا صوت المذياع في الصباح وهو يصدح بالقرآن الكريم، تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تبارح مخيلتي لم تكن جمال صباحاتنا فحسب بل فيها مايشعرنا أن البيت قلب نابض لا يهدأ.
فضلًا عن ذلك كانت الضحكة حاضرة كضيف دائم في وسط البيت؛ ضجيج جلسات العائلة واجتماعها على سفرة الطعام، الذي كان مزيجًا من المزاح والمواقف الطريفة، رائحة القهوة مع التمر، وصباحات يوم الجمعة المميزة، حيث البساطة واللّمة تمنحنا معنى أعمق للسعادة.
في صورة أخرى تظل بسمةُ أبي العائد من عَمله علامة فارقة لا تُمحى؛ وكأن الدنيا كلها تُختصر في لحظة رضا من وجهه المضيء، حتمًا لم تكن مجرد ضحكة عابرة فهي أشبه بمسحة الأمان والطمأنينة، وحكايا جدتي التي كنا نلتف حولها كل مساءً، تسرد لنا فصولًا من قصص الأجداد، ونضال عيشهم في الماضي، مستمعين بكل أنس حتى يغلبنا النوم -على حجرها- على الأغلب.
مع مرور الأيام مات الأحبة، وتغيّرت الأحوال، كبرنا وافترقت الطرق، وأخذت الحياة كل واحد في مساره الخاص، رغم ذلك لم يتغيّر شوقنا إلى ذلك الحضن الكبير الذي جمعنا على الحب، ولم ننس أنه أول مدرسة علّمتنا معنى القوة في الألفة، وأن السعادة لا تُشترى بالمال، بل تُصنع بدفء اللمة ومشاركة اللقمة.
بعد انقضاء الوقت انتبهت أنها مجرد طيف ذكرى عابرة، ومع ذلك كان قلبي يسمع همسات شوق من الداخل، غادرت المكان آنذاك ودمعة فاضت بحرارة كأنها آخر نظرة، بعده واصلت خطواتي، والنفس تهمس: “لعل هناك عودة إلى ذات اللحظة يومًا ما”
أدركت حينها أن البيوت الكبيرة تبهت صورتها لكن لا تفقد قيمتها، بل تبقى رمزًا خالدًا لأناسٍ أحببناهم، فكانوا لنا قلبًا نابضًا في حناياها.



