بقلم: أ. بيان بنت محمد الفُرقانيَّة
معلمة لغة عربية بمدرسة الشيخة سالمة الكندية.
حملت نظرية النحو الوظيفيّ في منشئها مبادئَ متنوعةٍ حول اللغة وبنيتها، وطُرق استعمالها ووظائفها، ومن تلك الوظائف: أن اللغةَ وسيلة تواصل بين الأفراد للتعبير عن أغراضهم عبر تراكيب لغوية. فلا بُدَّ للمتكلم معرفة النسق اللغويّ والقواعد التي يصلُ بها إلى الأغراض التواصليَّة عن طريق اللغة. ومِن ثَمَّ يكمُن أساسُ اللّغة ولُبّها في المادة النَّحْويّة والقواعد المشتملة عليها، والاهتمامَ بقواعد النَّحْو وتعليمها مقرونةً بالاستعمال والتوظيف منعطفٌ يحملُ في طيّاته محاسن مفيدةً بعيدًا عن الحفظ والتقعيد.
علم النَّحْو هو قانون اللّغة، فلا نجد أيّ علم يتفرّعُ من اللّغة إلاّ وهو يستقي من علم النَّحْو المنهاجَ والطريقةَ، فهو الذي صانَ اللسانَ العربيَّ وحرسَه، إذ تقتضي طبيعة النَّحْو دراسة القواعد والأحكام والتَّراكيب المتعلقة التي تكفل ضبط الكلام، وسلامة النطق، وصحَّة الكتابة، وإدراك المعنى. وينبثق الهدف الأسمى من هذا العلم، وهو: تكوين ملَكة لسانيَّة خالية من الأخطاء. وليسَ من نافلةٍ القولُ بأنَّ العنايةَ بالنَّحْو اقتصرت على الجانب النظريّ فقط، والاستغناء عن الجوانب التطبيقيَّة والعمليَّة، فنحن نتعلَّم النَّحْو كي نتقنَ الحديثَ بطلاقة، ولا فائدة من أن نحفظ القواعد دون السَّعي إلى إتقانها وتوظيفها، فتقعيد قواعد النَّحْو والمغالاة في استخدامها والاكتفاء بتجميع القوالب الصمَّاء لا يجدي نفعًا أمام فقدان القدرة على التعبير السليم الخالي من الخطأ. فكثيرٌ من الكُتُب الحديثة التي تُعنى بتيسير النَّحْوِ اعتمادًا على الجانب التطبيقيّ عبر تمارينَ وأنشطةٍ مختلفة في ظنِّي لا تكفي لبيان فحوى النَّحْو الوظيفيّ وما هو عليه من تنوعٍ وسعة.
فالنَّحْو في هذا الإطار فن ووسيلةٌ لغايةٍ كُبرى، فكيف تُصبح الوسيلة غاية؟ في ظل هذا التغافل عن الممارسة والتطبيق، فهل من الممكن أن نتعلَّم أحكام التجويد دون أن نطبقها عند تلاوة القرآن الكريم؟، وهل من الممكن أن نتعلَّم ضوابط الصلاة وشروطها وأحكامها ثم لا نُصلي بها؟ وقِس على ذلك الكثير، فلا نجد أيَّة حجةٍ في الإلمام بقواعد النَّحْو وحفظها ومراجعتها، إذا كنَّا لا ننتفع به ولم نلحظ ثِمار تلك المحفوظات اليانعة. يقول الجاحظ في هذا الصدد: “أمَّا النَّحْو فلا تشغل قلب الصبي إلا بقدر ما يؤدّيه إلى السَّلامة من فاحش اللَّحن، ومن مقدار جهل العوام في كتاب إن كتبه وشعر إن أنشده وشيء إن وضعه، وممّا زاد على ذلك فهو مشغلة عمَّا هو أولى به من رواية المثل والشّاهد والخبر الصحيح والتعبير البارع”. يتَّضح من ذلك أنَّ أهم الأسباب التي كان لها دور في نفور الطلبة من النَّحْو إنَّما هي التعامل مع هذا العلم بشكلٍ لا تتناسب مع طبيعته، فطبيعة علم النَّحْو تقتضي الدُّربة والمِران لا الحفظ الأصم؛ فالمُراد منه تقويم ألسنتنا وضبط لغتنا، والدارس لعلم النَّحْو بحاجة إلى تكثيف الممارسة والاستعمال لتأصيل الأحكام، وترسيخ الأبنية النَّحْوية وتكرارها في أساليب وتراكيب متنوعة. إنَّ الخللَ كامِنٌ في توظيف العلم وليس في اكتسابه. ولا تقوى أيَّة مهارة بدون التكرار، فالمتعلم عندما يُمارس مهارةً ما لا يصلُ إلى الإتقان منذ الوهلةِ الأولى، بل يمرّ بمراحل حافلةٍ بإخفاقات وإنجازاتٍ متوالية، وينطبق ذلك على اللغة والنَّحْو، فاكتساب اللغة عند القاضي عبد الجبار يتمثَّل في “السماع والاختبار والمحاكاة والمران والممارسة المباشرة والاعتياد، وعلى قدر التكرار ترسخ العادة”، ومن ذلك يتبيَّن أنَّ البعد عن الممارسة التطبيقيَّة لعلم النَّحو يُسهم في إضعاف الملكة اللسانيَّة، وكثرة الأخطاء اللغوية. فمن الضروري أن يربط الطالب القواعد النَّحْوية بأحاديث وحكايات اجتماعيَّة وتاريخيَّة لتقصِّي التوظيف في الواقع وتتبعه، وبيان انعكاسه في شخصيات الحكايات.
ولا ريب أنَّ التدريب العمليّ على استعمال قواعد النَّحْو يأتي ممزوجًا بالمهارات الأساسيَّة لتعلّم اللغة العربيَّة، أعني بذلك: مهارة التحدّث، والقراءة، والكتابة، والاستماع. فمهارة التحدّث هي أسلوب للتعبير عن أيّ موضوع، وتشمل المحادثة توظيفًا للأنماط النَّحْوية والتَّراكيب اللغوية وتدريبهم عليها، وبالتكرار والممارسة يستقيم اللسان ويبعد عن اللحن، وتمكّن مهارتا القراءة والكتابة المتعلم من تنفيذ قواعد النَّحْو على نصوص مختلفة في السرد والشكل، وتُثبِّتها في ذهنه بطريقة أكثر فاعليَّة، وفي ظلهما تنمو لدى الطلاب ثروةٌ لغويةٌ فتصبح عقولهم نيِّرة وأفكارهم متوهجة. كذلك فإنَّ مهارة الاستماع توسّعُ من قاموسِ المتعلم ومن حصيلته اللغويَّة، فيكون باستطاعته استيعاب المعاني المتنوعة. وجديرٌ بالذكر أن هذا التوظيف يساعدنا على التوصل إلى دور القواعد النَّحْويَّة في فهم الشريعة الإسلاميَّة والمسائل الفقهيَّة.
وخُلوصًا مما سبق ترتسم ملامح علم النَّحْو في طلبته، فهو من أهم الحقول المعرفيَّة التي يواكبها ممارسة بشكل دوريّ، ويمكنك أيها القارئ الكريم ممارسة هذا العلم الجليّ في عدَّة صور، منها: قراءة الأجناس الأدبيَّة وضبط الحركات الإعرابيّة على أواخر الكلمات، مثل: القصص والروايات، وإعراب كل يوم آية من القرآن الكريم، وكتابة مقالات قصيرة محكومة البنية، واختيار صورة والتعبير عنها فيما لا يقل عن أربعة أسطر، والبحث في أُمَّاتِ الكُتُبِ عن أمثلة تطبيقيَّة لقواعد النَّحْو والإتيان بمثيلٍ لها من إنشاء المتعلم، والتعرّف إلى الفوارق اللّغويَّة بين الأدوات والتراكيب.
ومن نافلة القولِ، إنَّ اللغةَ ظاهرةٌ اجتماعيَّةٌ تحملُ في شذراتها علومًا مختلفة تتطلّب المزاوجةَ بين المعرفة والتطبيق، وعلى مستعمل اللغة الحرص على تقويم لسانه وتمكينه من ممارسة اللغة في المواقف بمهاراتها اللغوية إرسالًا واستقبالًا. فالحفاظ على إرث لغتنا العربيَّة وتتويجها فوق كل لغةٍ واجبٌ على روح العربيّ الأصيل. و





