بقلم: بدرية بنت حمد السيابية

من حقِّ كل إنسان أن ينعم في وطنه بحياةٍ كريمة، أساسها الخدمات التي تحفظ كرامته وتيسِّر له معيشته. ونحن نعيش في وطنٍ عزيز، تفوح منه رائحة السلام والعطاء منذ بواكير سبعينيات القرن الماضي، يوم أن أطلق السلطان قابوس بن سعيد – طيَّب الله ثراه – شرارة النهضة العُمانية الحديثة.
فبدأت مسيرة التحديث من أبسط القرى إلى أعظم المدن، وكان رصف الطرق وربط القرى بالمدن من أولى أولويات النهضة، لأن الطريق لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل شريانَ حياةٍ يصل المواطن بالتعليم والصحة والعمل. واليوم، يواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – المسيرة ذاتها، مؤكدًا أن التنمية حقٌّ للجميع، وأن العدالة في توزيع الخدمات أساسُ الاستقرار والازدهار.
غير أن المؤسف أن بعض المناطق لم تجد بعدُ نصيبها من هذه العدالة، ومن أبرزها منطقة بديعوه بولاية السويق وبعض القرى المجاورة لها، فـرغم إدراجها ضمن خطط رصف الطرق الداخلية، إلا أن التنفيذ لم يرَ النور حتى الآن، بينما مضت مشاريع مماثلة في مناطق أخرى.
إن الأهالي في المنطقة يواجهون مشقةً يومية مرهقة؛ فغياب الطرق المعبدة يجعلهم مضطرين لاستخدام طرقٍ وعرةٍ تتسبب في أعطال متكررة للمركبات، وتؤدي إلى تأخير الموظفين والطلاب عن مواعيدهم. ومع مرور مئات السيارات وحافلات المدارس عبر تلك الطرق غير الممهَّدة، يتحوَّل الطريق إلى مصدر إزعاجٍ وخطرٍ دائم، بدلًا من أن يكون وسيلة راحة وتنمية. ولا تقف المعاناة عند المركبات، بل تمتد إلى الإنسان نفسه، فكثير من الطلبة يُجبرون على النزول بعيدًا عن منازلهم والسير لمسافاتٍ تحت الحر اللاهب، وبعضهم من ذوي الأمراض المزمنة الذين لا يقوَون على هذا الجهد اليومي. ناهيك عن أن أصحاب الحافلات المدرسية يواجهون صعوبةً كبيرة، إذ يضطرون للالتفاف عبر طرقٍ طويلةٍ ومرهقة بسبب غياب الوصلات الفرعية (الكنكري) التي تربط المخططات السكنية بالطرق الرئيسية، رغم أن البيوت متقاربة فيما بينها.
وهذه المشاهد اليومية تحكي قصةَ معاناةٍ صامتة، تُثقل حياة الناس وتضعهم في مواجهة تحدياتٍ لا مبرر لها.
ليست القضية مجرد راحة أو رفاهية، بل هي جزءٌ أساسي من منظومة التنمية. فقد أكدت تقارير البنك الدولي ودراسات التنمية الريفية أن كل كيلومتر واحد من الطرق المعبدة يُسهم في خفض تكاليف النقل ورفع القيمة الاقتصادية للمجتمع المحلي.
الطرق المعبّدة تعني: وصولًا أسرع للطلاب إلى مدارسهم، تقليل الأعطال والتكاليف على الأهالي، تحسين حركة التجارة الداخلية، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار. ومن هنا، فإن إهمال رصف الطرق في منطقة بديعوه لا يضر فقط بساكنيها، بل يعيق مساهمتها في عجلة التنمية الوطنية. إن رفع المشقة عن الناس مقصدٌ أصيل من مقاصد الشريعة الإسلامية. قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: ٧٨)، أي أن التخفيف عن العباد أصلٌ من أصول الدين. والنبي ﷺ قال: “إماطة الأذى عن الطريق صدقة”؛ فإن إزالة حجرٍ أو شوكة من الطريق صدقة، فما بالنا برصف طريقٍ كاملٍ يرفع المشقة عن مئات الأسر والطلبة والمرضى يوميًا؟
إن مشهد الأطفال الصغار وهم يقطعون المسافات مشيًا تحت الشمس الحارقة للوصول إلى منازلهم أو مدارسهم لا يليق ببلدٍ جعل التعليم ركيزةً أساسيةً لنهضته. كما أن إرهاق المرضى وكبار السن بسبب الطرق الوعرة مُنافٍ للكرامة الإنسانية، وناقضٌ لحقهم المشروع في حياةٍ كريمة. من هنا، تبرز علامات استفهامٍ حول دور الجهات البلدية والخدمية في الولاية، ومدى إحساسها بالمسؤولية تجاه هذه المعاناة المستمرة. وإن العدالة في التنمية تعني أن تصل الخدمات إلى الجميع دون استثناء، وأن يشعر كلُّ مواطنٍ أن له نصيبًا في ثمار النهضة. وتركُ منطقةٍ مثل بديعوه خارج خطة الرصف لا ينسجم مع مبدأ العدالة، ولا مع أهداف رؤية عُمان ٢٠٤٠ التي أكدت على التنمية المتوازنة والشاملة.
إننا، من موقع المواطنة والانتماء، نرفع هذا النداء إلى الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه وبلدية مسقط، للإسراع في تنفيذ مشروع رصف الطرق الداخلية في بديعوه والمناطق المجاورة.
ولا ريب أن الاستجابة لهذا المطلب لن تُعد مجرد استجابة لشكوى محلية، بل هي خطوة لترسيخ العدالة في التنمية، وتجسيدٌ للرؤية الوطنية التي لا تترك أحدًا خلف الركب. لقد آن الأوان أن يرى أهالي بديعوه طرقًا ممهَّدةً تليق بكرامتهم، وأن ينعم أبناؤهم بسبيلٍ آمنٍ إلى مدارسهم، وأن يشعروا بأن صوتهم مسموع، وأن معاناتهم مُعتَبرة.
فهذا الوطن، الذي بدأ نهضته من أبعد القرى، لن يقبل أن تبقى بقعة من أرضه خارج دائرة التنمية، وكلُّنا ثقة بالله أولًا، ثم بقائدنا وسلطاتنا، أن ترفع هذه المعاناة قريبًا، ويُفتح الطريق لا بالحجارة والإسفلت فقط، بل بالأمل والعدالة والكرامة.



