الكاتب: جاسم بن خميس القطيطي

أصبح الباحث عن عمل يجوب الأماكن مُعلِنًا عن نفسه مع تزايد العمر وكثرة مشقّات الحياة اليومية. شحّ الوظائف وندرة الفرص في سوق العمل وتكالُب الظروف… مَن المسؤول عن ذلك؟
تلعب وزارة العمل الدور الرئيسي في الكشف عن تلك الوظائف وتنويعها، عبر الخيارات الحكومية المتاحة للمهن وتأمين العدد الكبير منها. غير أنّ ما يُجلب غالبًا هو نوعية من الوظائف الدنيا.
وحتى عن طريق التدريب ثم التدريب ثم التدريب؛ لا حلّ سوى التدريب لفتح العديد من الفرص التي يمتهنها هؤلاء الشباب الباحثون عن عمل، الذين أصبحوا في عداد «المفقودين» بحكم صِغَر أعمارهم وعدم حصولهم على مؤهلات كبيرة. وهنا يصبح وضعهم النفسي والمعنوي آيِلًا للسقوط في بؤر الأخطاء والسهر في الشوارع، وهي زاوية إنسانية وأخلاقية تكشف عن طاقاتٍ مُهدَرة.
ما يحدث خللٌ واضح؛ فالوزارة لا تُؤمّن الوضع الصحي من خلال خياراتٍ تُوفّر الأمان لهؤلاء الشباب ذوي المؤهلات الدنيا. ويشمل هذا المشهد قطاعاتٍ متعددة. فإذا كان القطاع الخاص قدّم اليد الرافضة لاحتواء الشباب العُماني الطموح من خلال عادة التسريح، فيجب أن يكون الدور الحكومي—عبر بوابة وزارة العمل—هو تقديم التدريب بصورةٍ قوية تمنح هذا الشاب قوته وتعلّمه مهنة موجودة في سوق العمل.
ونرى تسلّط بعض الشركات وفرض الشروط، ويبلغ الأمر مدًّا وجزرًا بين الإفلاس والتسريح، بما يضرب عصب الاقتصاد. وهذا أمرٌ يخص تلك الشركات ومن يتولّاها، ولا يوجد قانون يفرض الانضباط الكافي عليها من قِبَل الحكومة.
إن فرض الحلول لقضية الباحثين عن عمل وهي مشكلة موجودة في أغلب البلدان المحيطة؛ يقتضي إيجاد المعالجات ووضع الدراسات التي تُقلّل حدّة تفاقم المشكلة وزيادة الأعداد، وذلك عبر التدريب المقرون بالعمل، مع التزامٍ حكوميٍّ بهذا الأمر، والتفتيش عن الوظائف وتعمينها أو حتى إقرارها، ووضع الجرأة المالية لتوفيرها، على أن يشمل ذلك القطاعين الحكومي والعسكري. ولابدّ من توافر التدريب سلاحًا وظيفيًّا مضمونًا لإدخال هؤلاء الشباب إلى الوظائف الحكومية، بما يُسهم في تقليل أعداد الباحثين عن عمل. أمّا الاعتماد على القطاع الخاص، فيجب أن يُرفَد ببنودٍ تُنعش الحالة السوقية فيه بما يتناسب مع وضع الاقتصاد؛ فهو المُحرّك الأساسي لنموّ القطاع الخاص. وليس من المأمول ترك الحبل على الغارب لتلك الشركات تفعل ما تشاء من تسريحٍ وإنهاء خدمات يضرّ بمنظومة العمل ويعطي تصورًا تامًّا بأنّ العامل آخرُ أهداف تلك الشركات ومن يقف عليها. ولو قدّمنا الحجج الدامغة، تبقى المصلحة—في نظرهم—مع تلك الشركات، ويتصرّفون فيها دون تدخّلٍ يذكَر.
وتتفاقم المشكلة بسبب عدم تأسيس مهنٍ راسخة في سوق العمل، مع غياب التدريب الذي يضمن ديمومة تلك الوظائف. يا حبّذا لو طُبّق في القطاع الحكومي «تدريبٌ مع تشغيل» يضمن الوظيفة، مع أخذ عيناتٍ واسعة من مخرجات الشهادات الدنيا ووضعها في مسارات تدريب، ومن ضمنها المُسرَّحون عن العمل.
إن استنزاف الطاقات والمبالغ بحثًا عن الأمان الوظيفي يجب أن يُوقَف عبر تدريبٍ نوعيّ وتشغيل الشباب الطموح في وظائف مهنية مُدرَّبة؛ فهذا هو الحلّ الذي ينبغي أن تطرقه وزارة العمل لصناعة شراكة في توفير تلك الوظائف، من واجبٍ مجتمعي وإنساني، ومنع الوصول إلى حالات الحرمان، وخلق بيئة مواطنةٍ تُسهم في الدفاع عن مقدّسات الوطن؛ وهو حقٌّ علينا جميعًا.
إنّ مشكلة الباحثين عن عمل ليست قصورًا أو أخطاءً فرديةً ممّن يقف وراء هذا الملف، وإنّما تستلزم بذلَ كثيرٍ من الجهد، ووضع خلاصة الأفكار، والتصدّي لها بعينٍ ثاقبة. والحكومة الموقّرة تسعى لتوفير الكثير من الحلول، وقد يحتاج الأمر إلى وقت، لكن يجب الإسراع في توفير المعالجات وجلب الأفكار. ويُعدّ «التدريب في الوظائف الحكومية» حلًّا عمليًّا لمَن يحملون مؤهلاتٍ دنيا؛ إذ يساعد على كبح تزايد الأعداد في ظلّ عدم تأسيسٍ كافٍ للقطاع الخاص وعدم استيعابه، ومع قضية المُسرَّحين التي تبدو فيها الوزارة مكتوفةَ اليد عن وقف نزيف التسريح.
آن الأوان لوضع خططٍ بديلة، يكون فيها التدريب والجرأة في التوظيف هما الحلّ، مع وضع اللّمسات الآمنة لتلك الوظائف، وزيادة الأجور في القطاع الخاص، وزيادة التوظيف المقرون بالعمل في الوظائف الدنيا بالقطاعين الحكومي والعسكري، وجلب الشاب العُماني إلى خريطة طريقٍ واضحة تتضمّن تدريبًا لمهنٍ مطلوبة في سوق العمل.





