من وحي الطوفان (٢٢)


د. صالح بن خلفان بن محمد البراشدي

ابتلاء الأنبياء والمرسلين(٦) سيدنا هود عليه الصلاة والسلام

وقوم عاد في ربى الأحقاف
عاشوا الغنى وليس بالكفاف

وقد بنوا مدينة عظيمة
عاشوا بها حياتهم كريمة

أعني بها ذات العماد إرما
في الذكر جاء وصفها متمّما

أكرمهم ربي بطيب الحال
أعطاهم من فضله والمال

وأرسل الله النبي منهمُ
هودا فقام داعيا بينهمُ

واستكبروا على النبي أنكروا
دعوته بالله أيضا كفروا

قالوا سفيها يفتري في قوله
لا تنظروا في حاله وفعله

فقال هود إنني الرسول
وصادق في كل ما أقول

وليس بي سفاهة بل ماجد
رسول رب العالمين الواحد

مبلغ رسالة الله لكم
مجتهدا في نصحكم إرشادكم

فكذبوه استكبروا وعاندوا
وأنكروا الآيات ما قد شاهدوا

قالوا اعتراك السوء مما نعبد
قال معاذ الله إني أشهد

بأن ربي الله من يعصمني
من هذه الأوثان قد جنبني

وإنني البريء من أصنامكم
لا خوف عندي من جميع كيدكم

وجحدت عاد بربي كفرت
واستكبرت والبعث أيضا أنكرت

فنزل العقاب حيث امتنعت
هذي السما عن مطر توقفت

وحل قحط بالبلاد احترقت
تلك البساتين وما فيها حوت

واشتدت الريح تراها تقلع
بيوتهم والروح منهم تنزع

فاشتدت الأحوال في المدينة
والله نجى هود في سكينة

توقفنا سابقا عند قصة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام مع قومه وكانت نهاية الكافرين إغراقهم بالطوفان، فنجى الله سيدنا نوحًا ومن آمن معه، واستمرت عبادة الله تعالى مع أولادهم إلى أن جاء زمن المتأخرين من أحفاد الأحفاد ومن بعدهم فصنعوا التماثيل لآبائهم – كما تذكر كتب التاريخ والسير- واستقر بهم المقام في مدينة الأحقاف في الربع الخالي بالجزيرة العربية، وانحرفوا عندها عن دين الله تعالى فأرسل الله إليهم نبيا منهم وهو سيدنا هود عليه الصلاة والسلام، فاجتهد في إبلاغ كلمة الله تعالى ودعوتهم إلى توحيد الله تعالى مذكرا إياهم بآبائهم الذين آمنوا بالنبي نوح عليه السلام وتنجيتهم من الطوفان، فاستكبروا وعتوا عتوا كبيرا، ووجد منهم ما وجده الأنبياء والمرسلون من التكذيب والسخرية والاتهامات الباطلة، قال سبحانه:{ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودࣰاۚ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُۥۤۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن قَوۡمِهِۦۤ إِنَّا لَنَرَئٰكَ فِی سَفَاهَةࣲ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ (٦٦) قَالَ یَـٰقَوۡمِ لَیۡسَ بِی سَفَاهَةࣱ وَلَـٰكِنِّی رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ( ٦٧) أُبَلِّغُكُمۡ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّی وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِینٌ (٦٨) أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَاۤءَكُمۡ ذِكۡرࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنكُمۡ لِیُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوۤا۟ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَاۤءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحࣲ وَزَادَكُمۡ فِی ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةࣰۖ فَٱذۡكُرُوۤا۟ ءَالَاۤءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ (٦٩) }[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ٦٥-٦٩]، فالابتلاء الأول تكذيبه واعتباره سفيها بينهم، فأجابه بأنه ليس من الكاذبين السفهاء وإنما جاءهم رسول من رب العالمين، يبلغهم رسالته، ويوجههم إلى ما يحقق رضاه سبحانه ومغفرته، وذكّرهم بأن الله تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح يعمرون هذه الأرض وزادهم الله بسطة في الجسم والأرزاق، حيث تذكر السير أن قوم عاد كانوا عمالقة عظام البنية في الجسم، وأنعم الله عليهم بالخيرات والأرزاق، أمطار مستمرة وخصوبة في الأرض وكثافة في المزروعات، وبالتالي فإنهم يعيشون في رفاهية، واعتبر قوم عاد هودا واحدا منهم يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون، وقد يكون من الفقراء الذين لا يتنعمون تنعم الأغنياء لذلك فقد أنكروا أن يكون مرسلا إليهم، قال تعالى: { وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَاۤءِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا مَا هَـٰذَاۤ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَیَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ (٣٣) وَلَئنۡ أَطَعۡتُم بَشَرࣰا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذࣰا لَّخَـٰسِرُونَ (٣٤) }[سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ: ٣٣-٣٤، فأنكروا دعوة هود عليه السلام بعبادة الله تعالى وحده والبعث مستهزئين به عليه السلام قائلين:{ أَیَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابࣰا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ (٣٥) هَیۡهَاتَ هَیۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنۡ هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا ٱلدُّنۡیَا نَمُوتُ وَنَحۡیَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِینَ (٣٧) }[سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ: ٣٥-٣٧]، واعتبروا هودا من المفترين، فعاقبهم الله على كفرهم واستكبارهم قال سبحانه:{ إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبࣰا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِینَ (٣٨) قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِی بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِیلࣲ لَّیُصۡبِحُنَّ نَـٰدِمِینَ (٤٠) فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّیۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَـٰهُمۡ غُثَاۤءࣰۚ فَبُعۡدࣰا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ (٤١)]
[سُورَةُ المُؤۡمِنُونَ: ٣٨-٤١]، وقال سبحانه:{ قَالُوۤا۟ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ یَعۡبُدُ ءَابَاۤؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَاۤ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ (٧٠) قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَیۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسࣱ وَغَضَبٌۖ أَتُجَـٰدِلُونَنِی فِیۤ أَسۡمَاۤءࣲ سَمَّیۡتُمُوهَاۤ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَـٰنࣲۚ فَٱنتَظِرُوۤا۟ إِنِّی مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِینَ (٧١) فَأَنجَیۡنَـٰهُ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةࣲ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَاۖ وَمَا كَانُوا۟ مُؤۡمِنِینَ (٧٢) }[سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ٦٥-٧٢]

هذه كانت نهاية قوم عاد الكافرين بالله تعالى المستكبرين في الأرض، الذين كذبوا نبيه هودا عليه الصلاة والسلام، حيث منع الله عنهم المطر، فأصبحت ديارهم جافة قاحلة، وبعدها أظلهم السحاب الذي فرحوا به ظنا منهم أنه الغيث من الله، واشتد البرد والريح فاقتلعتهم وبيوتهم وأصبحوا هباء منثورا، ونجى الله هودا والذين آمنوا به برحمة منه سبحانه وتعالى، قال سبحانه في تصوير حال الكفار وعقوبة الله لهم: { كَذَّبَتۡ عَادࣱ فَكَیۡفَ كَانَ عَذَابِی وَنُذُرِ (١٨) إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحࣰا صَرۡصَرࣰا فِی یَوۡمِ نَحۡسࣲ مُّسۡتَمِرࣲّ (١٩) تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلࣲ مُّنقَعِرࣲ (٢٠) }[سُورَةُ القَمَرِ: ١٨-٢٠].

سبحان الله العظيم وبحمده، سبحان الله العظيم، اللهم تقبل منا ومن جمبع المسلمين، واكتب النصر والتمكين للمجاهدين في غزة وفلسطين واليمن وغيرها من بلاد المسلمين، اللهم كن لأهل غزة نصيرا ومعينا، اللهم ثبت أقدامهم وأيدهم بجنود من عندك، واكتب الهزيمة والخسران المبين على الصهاينة المحتلين الغاشمين ومن شايعهم وساندهم، اللهم اجعل تدبيرهم تدميرهم، واجعل الدائرة عليهم يا عزيز، يا جبار، يا منتقم انتقم من الصهاينة المعتدين ومن شايعهم.
آمين يا رب العالمين.