كل ثلاثاء


الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

هيما ثمريت وطريق الرعب

عنوان لا يحتاج إلى شرح ولا تفسير، فكل من سلك هذا الطريق يعرف تمامًا ما تحمله هذه الكلمات من وجع ومن خوف ومن دموع ومن صرخات لا تزال تتردد في ذاكرة من عاشوا لحظات الفقد، ومن رأوا الأرواح تزهق في لحظة غياب الإنارة، وانعدام التخطيط وتأخر الإنجاز
هذا الطريق لم يعد مجرد مسار يربط بين مدينتين بل صار رمزًا للفشل الإداري وصورة مؤلمة لتراخي الجهات المعنية، وصوتًا ينادي من تحت التراب أن أنقذوا من تبقى قبل أن يتحول الطريق إلى مقبرة جماعية.
هيما-ثمريت طريق يمر عبر قلب الصحراء يمتد بين الرمال والجبال ويحمل في طياته قصصًا لا تُروى إلا بالدم، كم من طفل فقد والده على هذا الطريق، وكم من أم دفنت ابنها بعد حادث مروع، وكم من أسرة تحولت حياتها إلى مأساة بسبب تأخر الإسعاف، وغياب الإنارة، وعدم وجود حواجز أمان
كل هذه التفاصيل ليست مجرد أخطاء هندسية بل هي جرائم صامتة ترتكب كل يوم، ولا أحد يحاسب ولا أحد يتحرك.
النداء هنا ليس مجرد طلب بل هو صرخة من قلب كل مواطن يسلك هذا الطريق يوميًا، صرخة من سائق شاحنة يعرف أن كل رحلة قد تكون الأخيرة، صرخة من معلم يسافر ليؤدي واجبه ويعود محملًا بالخوف، صرخة من طبيب يسابق الزمن لإنقاذ حياة، وقد يفقد حياته قبل أن يصل، صرخة من أم تودع أبناءها كل صباح وهي لا تعلم إن كانوا سيعودون مساءً أم لا.

هذا الطريق أصبح لعنة وأصبح الحديث عنه مؤلمًا لأنه لا جديد ولا تغيير ولا استجابة، من المسؤول عن هذا التأخير. من يملك القرار ولا يتحرك، من يرى الأرقام المتزايدة للحوادث ولا يشعر بالخجل، من يسمع عن الأرواح التي تزهق ولا يرف له جفن، هل أصبحت حياة الناس مجرد أرقام في تقارير رسمية، هل صار الدم أرخص من الإسفلت، هل نحتاج إلى كارثة جماعية حتى يتحرك المسؤولون
أم أن الصمت هو السياسة المتبعة والتجاهل هو الرد المعتاد.
الطريق بين هيما وثمريت ليس طويلًا مقارنة بطرق أخرى، ولكنه يحمل من المخاطر ما لا تحمله طرق أطول منه بعشرات الكيلومترات، غياب الإنارة يجعل القيادة ليلًا مغامرة قاتلة، عدم وجود حواجز وسطية يجعل التصادم وجها لوجه أمرًا شائعًا، غياب مراكز الإسعاف يزيد من عدد الوفيات، وعدم وجود كاميرات مراقبة يجعل التجاوزات تمر بلا محاسبة، كل هذه العوامل مجتمعة تجعل من هذا الطريق نموذجًا للفشل، ونقطة سوداء في سجل البنية التحتية.
الناس لا تطلب معجزة ولا تنتظر مشاريع خيالية، كل ما يطلبونه هو (( طريق آمن طريق لا يسرق الأرواح ولا يحول الرحلة إلى كابوس، طريق يحترم الإنسان ويعكس حرص الدولة على سلامة مواطنيها، طريق يليق بعمان وبمكانتها وبحرصها على الإنسان ))
فهل هذا كثير ؟
هل أصبح الحلم بطريق آمن رفاهية لا تُمنح إلا للنخبة؟! كل يوم يمر دون إنجاز هو يوم جديد من الخوف ومن الترقب ومن الدعاء أن تمر الرحلة بسلام، كل يوم تتأخر فيه المعدات وتتوقف فيه الأعمال هو يوم جديد من الحزن ومن الفقد ومن الألم الذي لا يُنسى، كل يوم لا يتحرك فيه المسؤولون هو يوم يُكتب فيه اسم جديد في قائمة الضحايا
فهل من مجيب ؟؟
هل من مسؤول يشعر بالمسؤولية ؟؟
هل من جهة تملك القرار وتتحرك؟؟

الطريق ليس مجرد إسفلت بل هو حياة وهو أمان وهو مستقبل وهو رابط بين الناس وبين الخدمات وبين الأحلام ، فكيف يُترك بهذا الشكل! وكيف يُهمل بهذا القدر! وكيف يُعامل وكأنه طريق ثانوي!! وهو في الحقيقة شريان رئيسي يمر عبره الناس والبضائع والأمل!؟
النداء هنا لا يُوجه فقط إلى وزارة النقل بل إلى كل جهة تملك قرارًا أو تأثيرًا، إلى كل مسؤول يستطيع أن يرفع الهاتف ويطلب تسريع العمل، إلى كل إعلامي يستطيع أن يسلط الضوء على هذه المأساة، إلى كل مواطن يستطيع أن يكتب أو يتحدث أو يطالب، إلى كل من يرى ويسمع ويشعر، فالصمت لم يعد خيارًا والتجاهل لم يعد مقبولًا والتأخير صار جريمة.

هيما ثمريت طريق الرعب طريق الموت طريق الانتظار الطويل لإنجاز لا يأتي، طريق يختبر صبر الناس ويختبر قدرتهم على التحمل ويختبر إيمانهم بأن التغيير ممكن، ولكن إلى متى وإلى أي حد وإلى أي عدد من الضحايا، هل نحتاج إلى أن نعد القبور حتى نتحرك!؟ أم ننتظر أن يتحول الطريق إلى رمز للخذلان!!

الصور التي تُنشر بعد كل حادث ليست مجرد لقطات بل هي شهادات على التقصير وعلى الألم وعلى الغياب الكامل للمسؤولية، وجوه الضحايا وأجسادهم الممزقة وصراخ ذويهم كلها رسائل لا تحتاج إلى ترجمة، ولا إلى تحليل بل تحتاج إلى قرار وإلى تنفيذ وإلى سرعة وإلى ضمير حي.

الطريق لا يحتاج إلى دراسات جديدة ولا إلى لجان تقييم ولا إلى اجتماعات مطولة، بل يحتاج إلى معدات تعمل وإلى فرق تنجز وإلى ميزانية تُصرف وإلى جدول زمني يُحترم وإلى رقابة صارمة وإلى إعلام يواكب وإلى مواطنين يطالبون وإلى إرادة سياسية لا تتراجع ولا تتردد ولا تتأخر .
كل من فقد عزيزًا على هذا الطريق له الحق أن يغضب وأن يطالب وأن يصرخ وأن يكتب وأن يواجه، فالألم لا يُحتمل والفقد لا يُعوض والأرواح لا تُسترد والذكريات لا تُمحى والأمل لا يُولد من جديد إلا إذا رأى الناس أن هناك من يهتم ومن يتحرك ومن ينجز.

هيما ثمريت طريق الرعب طريق يجب أن يتحول إلى طريق أمل إلى طريق حياة إلى طريق يُضرب به المثل في الإنجاز وفي التصميم وفي الأمان وفي السرعة وفي احترام الإنسان وفي احترام الدم وفي احترام الوطن.

النداء الأخير
إلى كل من يملك القرار، إلى كل من يستطيع أن يُحدث فرقًا، إلى كل من يرى ويسمع ويشعر، إلى كل من يعرف أن التأخير يعني المزيد من الضحايا، وأن الصمت يعني القبول بالمأساة، وأن التردد يعني المشاركة في الجريمة، إلى كل من يستطيع أن يُنقذ الأرواح، أن يتحرك الآن
لا غدًا ولا بعد غد،
ولا بعد اجتماع ، ولا بعد تقييم
بل الآن، الآن .. الآن.