حين قلمي يكتب
الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

أفتح نافذة للضوء، وأدع الحروف تتنفس كي لا تختنق الروح في زوايا الصمت. أكتب لأنني أحتاج إلى مساحة لا تطلب تفسيرًا، ولا تفرض حكمًا. أكتب كي أستعيد نفسي من ضجيج العالم، وأعيد ترتيبها على سطور لا تخاف من الحقيقة.
في لحظة صدق، تتحول الكلمات إلى مرآة تعكس ما لا يُقال، وتمنحنا فرصة للبوح دون خوف. الكتابة ليست مجرد وسيلة، بل هي فعل وجودي يعيد تشكيلنا من الداخل، ويمنحنا فرصة للشفاء. حين تضيق الحياة، يصبح الورق ملاذًا نعيد فيه ترتيب الفوضى، ونستعيد فيه أنفسنا من التيه.
ليس كل صمت هدوء، فبعضه اختناق. والكتابة هي الهواء الذي لا يُرى، لكنه يُنقذ. حين نعجز عن الكلام، نجد في السطور ما يعبر عنا بصدق لا يحتاج إلى تفسير. الحروف لا تكتفي بنقل الأفكار، بل تنقل الأحاسيس وتمنحها جسدًا يمكن لمسه.
الورق لا يسأل ولا يحكم، بل يحتضن ويمنحنا فرصة لنكون كما نحن، بلا أقنعة. في كل تجربة نعيشها أثر، والكتابة هي الطريقة التي نمنح بها ذلك الأثر صوتًا وشكلاً. كل سطر نكتبه هو محاولة لفهم ما لا يُفهم، واحتضان لما لا يُحتضن. الكتابة تمنحنا الضوء حين يعم الظلام، وتمنحنا الأمل حين يبهت الرجاء.
في الحبر حياة، وفي الورق ذاكرة، وفي النص نبض لا يتوقف.
حين نكتب، لا نبحث عن جمهور، بل عن لحظة صدق تعيد ترتيبنا من الداخل. الكلمات ليست مجرد أدوات، بل هي جسور نعبر بها نحو الآخرين ونحو أعماقنا. في النصوص التي نكتبها، نكتشف أنفسنا كما لم نعرفها من قبل، ونصالح بين ما نريده وما نعيشه. الكتابة تمنحنا فرصة للانعتاق من قيود اللحظة، وتفتح لنا أبوابًا نحو الذات والكون.
الكتابة ليست هروبًا من الواقع، بل مواجهة ناعمة تعيد ترتيب الألم وتمنحه معنى. حين نكتب، لا نهرب من الجراح، بل نمنحها لغة كي لا تبقى صامتة. حين نكتب، لا نغلق الأبواب، بل نفتح نوافذ على احتمالات جديدة.
في كل حرف نخطه، نقترب أكثر من حقيقتنا، ونبتعد عن الزيف الذي يحيط بنا.
الكتابة هي رقصة الروح حين لا تجد جسدًا، وهي صلاة القلب حين لا يجد معبدًا.
هي الحضور الذي لا يزول حتى بعد الغياب.
حين نكتب، نمنح أنفسنا فرصة للوجود الحقيقي.
للوجود الذي لا يعتمد على الجسد، ولا على الصوت، بل على الحضور الروحي الذي لا يزول. الكتابة تمنحنا فرصة للانكشاف، وللتحرر، وللتحول. نعيد تشكيل أنفسنا، ونمنحها فرصة للنمو، وللتجاوز، وللارتقاء. في الحرف نبض، وفي الجملة حياة، وفي النص مساحة نعيد فيها تشكيل العالم وفق رؤيتنا.
حين تضيق الكلمات، تتسع المعاني.
وحين يضيع الصوت، يتكلم الحبر.
الكتابة تمنحنا القدرة على أن نكون أكثر صدقًا، وأكثر عمقًا، وأكثر إنسانية.
كل تجربة نكتبها هي محاولة لفهم الذات، ومحاورة الآخر، والتصالح مع الكون. الكتابة لا تحتاج إلى تصريح، ولا إلى جمهور، بل تحتاج إلى قلب ينبض بالحقيقة، وعقل يجرؤ على التأمل.
في لحظة الكتابة، يتوقف الزمن، وتصبح اللحظة أبدية.
على الورق نكتب كي لا ننسى، وكي لا تُنسى الأشياء الجميلة التي عبرتنا ذات يوم.
نكتب كي نمنح الذاكرة شكلاً لا يخون.
الكتابة تمنحنا فرصة للتماهي مع الجمال، والألم، والحقيقة. نعيد تشكيل العالم وفق احساسنا، وتفاصيلنا، وتناقضاتنا. نكتب كي نكون أكثر قربًا من أنفسنا، وأكثر قربًا من الآخرين.
حين نكتب، لا نبحث عن الكمال، بل عن الصدق. لا نبحث عن الإجابات، بل عن الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.
الكتابة تمنحنا فرصة للانفتاح على الذات، وعلى الآخر، وعلى الكون بأسره.
في النصوص التي نكتبها، نترك بصمتنا حين لا يبقى منا شيء سوى الكلمات. نكتب كي نعيش مرتين، مرة حين نمر بالتجربة، ومرة حين نعيد سردها على الورق. الكتابة تمنحنا فرصة للانبعاث من الرماد، وللتحليق فوق الجراح، وللرقص في فضاء الأمل. هي الدواء الذي لا يُباع في الصيدليات، وهي العلاج الذي لا يحتاج إلى وصفة. حين نكتب، نمارس فعلًا جماليًا يعيد تشكيلنا، ويمنحنا فرصة لنكون أكثر إشراقًا، وأكثر اتساقًا، وأكثر سلامًا.
الكتابة هي الضوء الذي لا ينطفئ حتى في أحلك اللحظات، وهي الحب الذي لا يموت حتى في غياب الأحبة.
كل ثلاثاء، أكتب كي أكون أكثر وضوحًا مع نفسي، وأكثر صدقًا مع الحياة، وأكثر قربًا من الضوء.
أكتب لأنني أحتاج إلى أن أتنفس خارج حدود الجسد، وأحيا في فضاء الحرف.
قلمي يكتب كل ثلاثاء، لا ينقل الحبر، بل ينقل الروح.
لا يسطّر الكلمات، بل يسطر الحياة.
لا يكتب على الورق، بل يكتب على القلب.




