“روح القانون”
أحمد بن علي القطيطي

روح القانون هي ذلك المعنى العميق والجوهر الخفي الذي يتجاوز الحرف الجامد للنصوص القانونية لتصل إلى العدالة الحقيقية المنشودة، فالقانون بمجمله إنما وُضع لتنظيم حياة البشر وضمان حقوقهم وحرياتهم وتوفير التوازن بين المصالح المختلفة، فحين يصطدم نص القانون بواقع معقد أو استثنائي فإن روح القانون تتدخل لتمنح القاضي أو صاحب القرار مساحة للتقدير والمواءمة بين النص الجامد وروح العدالة المتحركة، ذلك أن القانون في جوهره لا يمكن أن يكون حلاً آلياً ميكانيكياً لجميع المواقف والحالات، فالبشر لا يعيشون في قوالب ثابتة بل في حياة مليئة بالتحولات والتفاصيل الدقيقة، وهنا يظهر دور روح القانون كأداة للمرونة والتفاعل مع متغيرات المجتمع والإنسان.
يُستعمل روح القانون في لحظات حرجة حين يكون تطبيق النص بحرفيته مخالفاً لمقاصد التشريع الأساسية، أو متنافراً مع العدالة المنشودة، وحين يواجه القاضي موقفاً غير نمطي ويجد أن تطبيق النص القانوني بحذافيره سيؤدي إلى ظلم أو ضرر، فإن واجبه الأخلاقي والقانوني يوجهه إلى استحضار روح القانون، وتفسير النص بروح العدل والإنصاف لا بروح الحرفية الجامدة، وهذا لا يعني تجاهل النصوص بل يعني فهمها ضمن سياقها ومقصدها ومآلات تطبيقها، فعندما يتعارض شكل القانون مع غايته تأتي روح القانون لتعيد الأمور إلى نصابها العادل، وتحفظ التوازن بين القوة القانونية والمشروعية الأخلاقية.
ومن أبرز المواقف التي يظهر فيها استعمال روح القانون هي حالات الثغرات القانونية أو المواقف الإنسانية الاستثنائية، التي لم يتوقعها المشرّع في قوانينه، فمثلاً حين تقع حالة إنسانية تتطلب حماية عاجلة ولكنها خارج نطاق الأحكام القانونية الصريحة، فإن القاضي قد يستحضر روح القانون ليمنح حماية مؤقتة أو يتخذ قراراً لا يستند على نص مباشر، بل على مبادئ العدالة والرحمة، كذلك في مجال القانون الإداري حين تلتزم جهة حكومية بإجراء شكلي يمنعها من تقديم خدمة مستحقة لفرد بسبب خطأ بسيط، فإن استعمال روح القانون يقتضي تجاوز ذلك الإجراء الشكلي لصالح العدالة والمصلحة العامة.
إن روح القانون لا يمكن أن تُفهم إلا من خلال إدراك الغايات الكلية للقانون، وهي العدالة، والمساواة، والإنصاف، وحماية الحقوق، والكرامة الإنسانية، ولذلك فاستعمال روح القانون هو مسؤولية عظمى تقع على عاتق القاضي والمسؤول، وكل من يملك سلطة تفسير أو تطبيق القانون، إذ ليس الهدف من القانون أن يتحول إلى سيف مسلط على رقاب الناس، بسبب سوء التفسير أو الجمود في التطبيق، بل أن يكون حماية وعوناً وأداة لتنظيم الحياة وتحقيق الخير العام.
وفي سبيل تحقيق هذه الغاية العظيمة، ينبغي أن يكون من يستعمل روح القانون إنساناً ذا ضمير حي وعقل راجح ونزاهة مطلقة، لأن مساحة التقدير التي يمنحها له القانون حين يستحضر روحه لا يجب أن تتحول إلى باب للتجاوز أو الاستغلال أو الانحراف عن مقاصد العدالة، وإنما يجب أن تكون أداة لإرساء الإنصاف ورد المظالم ومراعاة الفوارق الدقيقة بين الحالات المختلفة.
ولذلك فإن استعمال روح القانون يتطلب معرفة عميقة بالنصوص القانونية وسياقاتها وتاريخها وأهدافها، كما يتطلب فهماً دقيقاً للواقع الاجتماعي والإنساني الذي تنطبق عليه هذه النصوص، إضافة إلى تربية أخلاقية تجعل من يستعمل روح القانون جديراً بالثقة، ومسؤولاً أمام الله والناس عن قراره وتقديره.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن حين يتحول استعمال روح القانون من وسيلة لتحقيق العدل إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو خدمة أجندات خاصة أو تبرير تجاوزات غير مشروعة، فهنا يصبح القانون مجرد أداة بيد من يملك النفوذ ليخدم بها نفسه ومن حوله، متذرعاً بروح القانون وهو في الحقيقة يُفرّغ القانون من روحه ويقتل العدالة بسكين المصلحة، وهذا النوع من الاستعمال يمثل خيانة للعدالة وللمجتمع، وللثقة التي منحت لصاحب القرار، وهو انحراف خطير يستوجب الرقابة والمساءلة، لأنه يُنتج قرارات ظالمة يُلبّسها لبوس المشروعية في حين أنها فاقدة للحق والأخلاق.
إن من يستخدم روح القانون لأغراضه الشخصية يمارس نوعاً من التضليل القانوني، ويضرب بمفهوم العدالة عرض الحائط، ويغتال جوهر القانون باسم التقدير والمرونة، فالسلطة الممنوحة له ليست امتيازاً بل مسؤولية عظيمة، واختبار لضميره واستقامته، وإن العبرة هنا أن من خان روح القانون اليوم سيجد نفسه غداً في مواجهة مجتمع فقد الثقة بالقانون نفسه، لأن الفساد في الروح أخطر من الفساد في النص والعدالة، إذا لم تُحمى بروحها، فإنها تنهار تحت وطأة التحايل والتلاعب والتبرير الزائف.
ولذلك نقول في ختام هذه المقالة، إن روح القانون هي الأمانة الأخلاقية التي إن لم تُحمى بالضمير ستحول القانون نفسه إلى مظلة للظلم والنفاق والعبث، وإن من يستخدم روح القانون لتحقيق مصالحه الشخصية، إنما يزرع بذور الفوضى في أرض العدالة، ويستهين بصرخة المظلومين، فليتذكر أن القانون لا ينام لكنه يسجل، وأن العدالة قد تصمت لكنها لا تموت، والضمير الحي وحده هو الذي يُنقذ المجتمع حين يعجز النص عن ذلك.





