كل ثلاثاء، رحلة العمرة

الكاتب: أحمد بن علي القطيطي

العمرة… حين تُقبل الأرواح على الله

ليست العمرة مجرد زيارة، بل هي انطلاقة جديدة، رحلة تبدأ بالإحرام، ولا تنتهي إلا بولادة القلب من جديد. في تلك اللحظات التي يلف فيها البياض الجسد، يخلع الإنسان عن نفسه كل ما يربطه بالدنيا، يرتدي ثوب الفناء، ليقف في محراب البقاء مع الله وحده.

منذ لحظة النية، ينبض القلب بشوق لا يُقاس، وتعلو الروح فوق كل حطام، تعانق السماء، وكأنها تهمس: “يا رب، جئتك بما تبقى منّي.”

يبدأ الطريق من الميقات، حيث الوجوه تشرق بنور النية، والقلوب تهتف في صمت: “لبيك اللهم عمرة”، وكل خطوة بعدها تصبح حوارًا بينك وبين الذي يعلم السر والنجوى. الإحرام في ذاته إعلان صامت عن التوبة، وتحرر من كل ما قيد القلب من الذنوب والعادات، وكأنه وعد صادق ألا يرجع الإنسان كما كان.

ثم تُقبل مكة… وتُقبل الكعبة على عينيك، فتذوب الرؤية في مهابة المشهد. لا تستطيع أن تميز بين دموعك ودموع الآخرين، الكل يبكي، الكل يسجد، الكل يحب… في الطواف حول البيت، يصبح القلب نجمًا يدور في مدار الطاعة. تشعر أن الجسد يتحرك، لكن الروح هي التي تطوف، تبحث عن حضن الله في كل شوط، تستنجد، وتناجي، وتعتذر.

الطواف ليس مجرد سبع دورات، هو سبع ولادات، سبع محطات نغسل فيها ما ران على القلب. كل خطوة تهمس: “اغفر لي، طهرني، اجعلني كما تحب.” وفي كل نظرة للكعبة، يحترق الكبرياء، وتولد التواضع من جديد.
المكان مهيب، لكن الرحمة تغمره حتى تشعر وكأنك بين يدي أمّ حنون.

ثم يأتي السعي بين الصفا والمروة، يحاكي قصة أمّ عظيمة، السيدة هاجر، التي سعت لتبحث عن الماء، فخلّد الله سعيها، وأمرنا أن نتبع خطواتها. أي عظمة هذه؟ أن يجعل الله من جهد امرأة رمزًا للعبادة. في كل شوط بين الصفا والمروة، نسترجع حياتنا، نتذكر كيف سعينا، كيف تعبنا، كيف صبرنا، ونهمس لأنفسنا: “كما استجاب لها، سيستجيب لنا.”

السعي هنا ليس بحثًا عن ماء فقط، بل بحث عن حكمة، عن معنى، عن طمأنينة، عن استجابة لدعاء طال زمنه. وعلى الصفا، تبدأ بالدعاء، وعلى المروة، تختمه بالرضا.

بعد السعي، حين يحين وقت الحلق أو التقصير، تشعر وكأنك تترك شيئًا منك، رمزًا لخضوعك، علامة على فناء جزء من نفسك القديمة، لتولد آخر جديد.

العمرة ليست طقوسًا فقط، بل تجربة شعورية كاملة. هي وقوفك أمام ذاتك، واعترافك بضعفك، واستجداؤك للقوة من الله. هي إعادة ترتيب الأولويات، وخلخلة ما ظننت أنه ثابت فيك، لتحل مكانه قيم جديدة، نقاء جديد، نور يسكن في عينيك.

في الحرم، لا لغة تُفرّق، ولا جنسية تُميز، الكل سواسية، الكل يهتف “لبيك”، والكل يطلب الرحمة. في هذا التساوي، تجد العدالة الحقيقية، وتشعر أن الكون قد عاد إلى توازنه، حين سجد الجميع في اتجاه واحد، متجردين من كل مظاهر الدنيا.

العمرة هي المشي في صمت، والبكاء في دعاء، والرجاء في سجود. في كل لحظة هناك شعور بالرحيل، ثم شعور بالعودة. ترحل عن نفسك، عن عاداتك، عن أخطائك… وتعود بصيغة مختلفة، بروح تعرف أن الله قريب.

وما بعد العمرة؟ إنها بداية، لا نهاية. عمرة واحدة قد تغيّر حياة كاملة، نظرة واحدة للكعبة قد تزلزل القلب، دعاء واحد في لحظة صفاء قد يفتح لك أبواب السماء، وتلك اللحظات التي تظن أنها عابرة، قد تكون هي اللحظة التي يُكتب فيها لك المغفرة، والرحمة، والرضا.

قال أحدهم:

“العمرة ليست رحلة إلى مكة، بل رحلة إلى نفسك، إلى قلبك، إلى ما فقدته في زحمة الحياة.”

ويكفي أن الله سماها زيارة، والزيارة لا تكون إلا لمن تُحب. فما أكرمك يا من زارك الله في بيته، وفتح لك أبوابه، ورزقك الوقوف بين يديه.

كأن العمرة تقول لك: “عد، متى ما أردت، فالباب لا يُغلق، والطريق لا يُقطع، والرحمة لا تنضب.”