بقلم : نعيمة بنت جمعة الحوسني
أصبحنا وأصبح الملك لله.. صباح جميل ومشرق، وكالعادة لا يخلو المكان من أصوات زقزقة العصافير.
أحب أن أرتب سريري، وأن أطوي بطانيتي ذات اللونين الذهبي والأحمر، أعشق الهدوء الصباحي لأنه يشحنني بالتفاؤل، ولكن.. دائمًا ما يتحول هذا التفاؤل إلى حفلة صراخ صباحية بسبب سيناريو المقالب اليومية!
عندما أبدأ بفتح باب الغرفة مستعدة لبداية يومي بابتسامتي الخجولة، فجأة.. لا أشعر إلا بشيء ضخم يطير قادماً نحو وجهي، لأجد نفسي مستلقية على الأرض وتبدأ الحفلة!
إنه أخي “خميس”.. كل يوم يكرر المقلب ذاته؛ يضع علبة مملوءة بالماء فوق الباب، وعندما أفتحه، لا أشعر إلا والماء ينسكب إما فوق رأسي أو في وجهي، لتنطلق صيحاتي، وتبدأ معها نوبة ضحكه الهستيري، ومعه بقية إخوتي وأخواتي وهم يهتفون: “كل يوم نفس المقلب.. لماذا لا تنتبهين؟!”.
أسأل نفسي بذهول: “ولماذا أنا بالذات؟!”، فيأتيني الرد الجماعي: “لأنكِ طيبة، وبسرعة ترضين!”.
أركض شاكية: “أمي.. أمي!”، فتجيب أمي بنبرتها المتعبة المعتادة: “أعرف.. لقد تعبت من أخيكِ، في كل مرة أقول له لا تفعل ذلك”. ثم تلتفت إليّ: “ولماذا لا تنتبهين أنتِ؟!”، وتلتفت إليه: “ولماذا لا تتوقف أنت عن مقالبك المستمرة؟!”.
أكاد أجزم بأنني في كل يوم أتعمد تجاهل مقالبه؛ ربما لأنني أشعر بروعة هذه اللحظات الطفولية التي نعيشها معًا وسط أرجاء البيت، وربما لأنني مدركة تمامًا بأنها ستتحول يوماً إلى ذكريات ورسائل جميلة أسرد تفاصيلها للجيل القادم في عائلتنا.
أذكر ذات مرة، أنني كنت حريصة جدًا وتفاديت كل مقالبه المتوقعة، لأتفاجأ هذه المرة بشيء مختلف تمامًا قادم باتجاهي في الممر الواصل بين الغرفة والصالة، ليستقر في وجهي بقوة.. إنها “الوسادة”! التصقت بوجهي فجأة، ووقفت في صمت وذهول لعدة دقائق. ولم أستفق من الصدمة إلا على صوت ضحكات كل من في البيت، وصوت أمي وهي توبخ أخي مجددًا. عندها.. لم أتمالك نفسي وضحكت فجأة قائلة: “متى ستكبر وتترك هذه المقالب؟!”.
أيقنت حينها أنه يختارني بالذات لإحداث كل هذه الفوضى الضاحكة، لأنه يدرك بعمق.. أنني لن أغضب منه أبداً.
الخلاصة:
في كثير من الأحيان، نجد أنفسنا مضطرين إلى استخدام مهارة “التغافل” في مواقفنا الحياتية؛ لا لشيء، سوى رغبة منا في السيطرة على أجواء حدث معين يوشك أن يتطور ليصبح ما لا تُحمد عقباه.
التغافل فن ذكي وجميل؛ فنحن بحاجة دائماً لأن نختار معاركنا بعناية، عندما نتغافل عن صغائر الأمور وهفوات من نحب، فإننا نمنح أنفسنا مساحة رحبة من الهدوء والنقاء والسعادة. وتذكروا دائمًا.. كلنا بشر، وفي زحام هذه الحياة، ما أحوجنا للاسترخاء والمرونة!



