بقلم : خميس الذيابي

في صباحٍ مضمَّخٍ بملح البحر ورائحة السدر، خرجت عُمان إلى الطريق. لم تكن طريقًا واحدة، بل شرايين ممتدة من ظفار حتى الوسطى، تحمل في منعطفاتها وجوهًا تبتسم، وراياتٍ تُلوِّح، وأكفًّا ترتفع بالدعاء. كان المشهد أكبر من موكبٍ يمرّ، وأعمق من لقطاتٍ عابرة، كانت البلاد تنظر في المرآة وترى نفسها متماسكةً مثل سلسلة جبالها، متواصلةً مثل خيوط بحرها، تُجدِّد العهد لقائدٍ اختار أن يقترب لا أن يعلو، وأن يسمع قبل أن يتكلم.
في هذا اليوم المتفرِّد، تفضّل حضرةُ صاحبِ الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بزيارةٍ تفقدية لعددٍ من ولايات محافظتي ظفار والوسطى، اطّلع خلالها على مشروعاتٍ تنمويةٍ واقتصاديةٍ واجتماعية، وتابع عن قربٍ احتياجات المواطنين ومتطلباتهم. وعلى امتداد الطريق، خرج الناس يحيّون قائدهم، يرفعون الدعاء ويجددون كلمات الولاء. هكذا قالت الأخبار، وهكذا نقلت الصور: زيارةٌ ميدانيةٌ من القائد، واستجابةٌ وجدانيةٌ من الشعب.

هذه اللقطة، على بساطتها الظاهرة، تحمل من المعاني ما يتجاوز نصّ الخبر. حين يختار القائد الطريق المفتوح، فهو لا يستعرض سلطةً بقدر ما يؤكد معنى الدولة، أن الدولة ليست جدرانًا وتعليماتٍ ومنصّات، بل هي مسافةُ الثقة بين الحاكم والمواطن. كل مترٍ قطعه الموكب كان يقيس هذه المسافة ويقلّصها؛ وكل نظرةٍ متبادلةٍ على جانبي الشارع كانت توقيعًا صامتًا على عقدٍ قديمٍ متجدِّد بين الطرفين”أن نكمل الطريق معًا”.
ولذلك لم تكن الصور التي تداولها الناس مجرد توثيقٍ للحظة، بل كانت شهادةَ انتماء. أطفالٌ يركضون بمحاذاة المركبات، حفاةَ القلب من أثقال السياسة اليومية، عراةَ الخوف، مفعمين ببهجةٍ فطريةٍ تقفز قبل الكلمات. لا يلوّحون من أجل كاميرا، بل لأنهم تعلّموا أن التحية ـ في بلادهم ـ قيمةٌ يومية؛ وأن الولاء ليس شعارًا يُقال، بل حركةُ جسدٍ يُسرع ليقترب، وابتسامةُ عينٍ تسبق اليد إلى السلام. في وجوههم يلمع معنى المستقبل: أجيالٌ ترى في القائد أمنَها وفي الدولة أفقَها، فتمنح ما تستطيع، خطواتٌ صغيرةٌ سريعة، وهتافٌ مرتجل، وفرحٌ يفيض.
ولأن الذاكرة الوطنية لا تُقطَع، فقد أعاد هذا المشهد إلى أذهان العُمانيين صورةَ القائد الراحل، المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ في زياراته الميدانية، حين كانت البلاد تتعرّف إلى نفسها على جانب الطريق، يسأل ويصغي، يلاحظ ويُوجّه، ويترك خلفه أثرًا من الطمأنينة. لم يكن ذلك استدعاءً للماضي بقدر ما كان تأكيدًا أن القيمة ذاتها تمشي اليوم على الطريق “قيمة القرب، وقدرة الإصغاء، وسياسةُ الاطمئنان”.
معنى أن يقترب القائد
الاقتراب ليس حركةَ مركبة، بل فلسفةُ حكم. أن تقترب يعني أن تسمع العالم كما هو على الأرض، أصواتَ المزارعين، وهمسَ أصحاب الأعمال الصغيرة، قلقَ الشّباب، وآمالَ الأمهات. أن تقترب يعني أن تُعيد ترتيب الأولويات كما يرسمها الناس لا كما تتوقعها الورق. لذلك تبدو الزيارة الميدانية فعلًا إداريًا في ظاهرها، لكنها في العمق فعلٌ ثقافيٌّ وأخلاقيّ، تربّي الدولة على التواضع، وتربّي المواطن على الثقة، وتربّي الاثنين على شراكةٍ لا تقوم على الخطب وحدها بل على البصر والبصيرة.
أثرٌ يتجاوز الجغرافيا
قد يقول قائل: إن الزيارة كانت لظفار والوسطى. لكن ما حدث ـ في الحقيقة ـ أن الوطن كلّه شعر بأنه مُزار. لماذا؟ لأن الرموز تتحرك في المعنى أسرع من تحركها في المكان. حين يمرّ القائد بين الناس ويصغي إليهم، يتقلّص الشعور بالعزلة في كل ولاية، ويتوسع معنى الانتماء في كل بيت. يصل أثر ذلك إلى الشمال كما يصل إلى الداخل والجنوب؛ لأن الناس يتلقّون الإشارة ذاتها “الدولة هنا، والقيادة ترى وتسمع وتتابع”.

رسائل الزيارة
رسالة إلى أصحاب القرار : إن حاجات الناس لا تُقرأ من التقارير فقط، بل تُرى بالعين وتُلتقط بالحوار. الزيارة تقول للمؤسسات: انزلوا إلى الميدان، راجعوا الافتراضات، وأعيدوا صياغة الحلول حيث يتشكّل الواقع لا حيث يُتخيل.
رسالة إلى المجتمع: إن صوتكم مسموع، ومشاركتكم في رسم الأولويات مطلوبة. التحية ليست مجاملة، بل مشاركةٌ في صناعة الإيقاع الوطني.
رسالة إلى المستقبل: إن التنمية ليست أرقامًا تُعلن، بل أمانٌ يلمسه الناس في صحتهم وتعليمهم وفرص عملهم ونشاط اقتصادهم المحلي. حين يرى المواطن مشروعًا يُنجَز، وطريقًا يُصلَح، وخدمةً تُحسَّن، فإن قيمة التنمية تتحوّل من وعدٍ إلى عادة.
رسالة إلى من يهمه الأمر : إن السياسة التي لا تُترجم إلى طمأنينةٍ يومية تفقد شرعيتها في قلوب الناس. المعيار دائمًا: هل صار يوم المواطن أسهل، ووقته أكرم، وخدمته أوضح؟
الأطفال… لغةُ البلد
نعود إلى تلك اللقطة البسيطة: الأطفال الذين يركضون ويهتفون. ما الذي تعلّمنا إياه هذه الصورة؟ أن الانتماء يُربّى قبل أن يُلقَّن؛ وأن المناهج الأصدق هي التي يكتبها الشارع المضيء، والتهنئة العفوية، وبهجة الميدان. هؤلاء الصغار يحملون في خطواتهم درسًا صافيًا: أن الأوطان تُصان حين يشعر أهلها أن قيادتها قريبة، وحين يشعر قادتها أن الناس مرآتهم.
امتدادُ النهج واستدامةُ الأثر
ما يصنع الفرق بين أن تكون الزيارة حدثًا عابرًا وأن تصبح ظاهرةً راسخة، هو الاستدامة. الاستدامة هنا ليست فقط في تكرار النزول إلى الميدان، بل في تحويل ما يُرى ويُسمَع إلى جداول عملٍ تُنفَّذ، ومساراتٍ تُراجَع، ومؤشراتٍ تُقاس. أن نرى آثار الزيارات في سرعة الإجراءات، وشفافية المتابعة، وعدالة توزيع الخدمات، ورشاقة الحلول. حينها فقط يصبح الطريق دفترًا مفتوحًا تُسجَّل فيه الملاحظات في الصباح وتُغلَق منها الملفات في المساء.
إن ما شهدناه لم يكن موكبًا فحسب، بل كان حوارًا وطنيًا على الهواء الطلق: قائدٌ يقترب ليصغي، وشعبٌ يقترب ليطمئن، ودولةٌ تُجدّد عقدها الأخلاقي بأن التنمية لا تُدار من خلف زجاجٍ داكن، بل من قلب الشارع وبين الناس. ولذلك بدا ذاك اليوم كله كأنه تحيةٌ متبادلة: تحيةُ ولاءٍ ودعاءٍ من الناس، وتحيةُ ثقةٍ وعملٍ من القائد.
نختم بما بدأنا به: عُمان التي خرجت إلى الطريق، عادت إلى بيوتها وهي أكثر يقينًا بأن الطريق يمضي بها لا عليها؛ وأن المسافة بين الحلم والواقع تُقاس بعدد مرّات الإصغاء، وبعدد القرارات التي تُنقِص عن الناس عناءهم وتزيد في أيامهم كرامتهم. حفظ الله مولانا السلطان، وأبقى على هذه البلاد سكينةَ جبلٍ ورفرفةَ علم، وجعل من كل زيارةٍ خطوةً أخرى في نهجٍ يمشي على الأرض، ومن كل خطوةٍ مشروعًا يكتمل، ومن كل مشروعٍ حياةً تُصبح أوسع.


