زوايا(٥) للصورة وجهان

بقلم: ثريا بنت علي الربيعية

صار للصورة في وقتنا هذا ملامح مزدوجة؛ إذ تُلتقط في لحظة خاطفة، ثم ماتلبث أن تتباعد عن جوهرها عند أوّل نظرة، فللصورة وجهان؛ فهي بقدر ما تمنحنا جمالًا يمكن أن تأخذ منا عمق اللحظة، فالوجه الأول يخلّد لحظاتنا، بينما الآخر يسرقها، لا سيما كانت اللحظات تُعاش بهدوئها الطبيعي كما خلقت؛ حتى تغيّر هدف التوثيق من وسيلة تختزل الذكريات إلى غاية أخفت هدوء الشعور وسلبت صدقه، كأنّ الكاميرا أصبحت وسيطًا بين الإنسان وفرحته، وكأنما المشاعر لا تكتمل دون أن يشاركنا الآخرين فيها، فنرى الكثير من الناس يرفعون هواتفهم قبل إحساسهم بلحظات الفرح أو الحزن على حدٍ سواء، وقد يكتفي بالتعبير عنها بلقطةٍ عابرة من أجل مجاملة لا تضيف إلى أعماقهم شيئًا.

في الوقت ذاته تُعاد صناعة اللحظة بصورة معدَّلة لتُقدَّم للناس بوجه مثالي، ومن المفارقة أن بعض اللحظات حين تُوثَّق تفقد جزءًا من بريقها، وكأن عدسة الكاميرا تقطع ذاك الخيط الرقيق الذي يصل الإحساس الحقيقي، فتبدو تلك الصور المحفوظة في أرشيف الذاكرة جافة بلا وهج ومعنى.

من زاوية أخرى: وفي خضمّ البحث عن عدد الإعجابات والركض خلف باب الشهرة السريع أصبح هوس التصوير مريبًا؛ لدرجة أن بلغ الأمر بالبعض أن يعرّض نفسه إلى التهلكة بمغامرة خطيرة أو تحديًا قاسيًا من أجل التقاطة مباشرة يحصد بها إعجابًا لحظيًا من المتابعين على منصات الإنترنت.

في هذا السياق ندرك أن الإنسان لم يعد يستشعر يومه كما ينبغي، إنما يسعى ليوثّق نشاطاته أكثر من أن يستمتع بها، فلم تؤخذ اللحظات الجميلة في المواقف بعفويتها لكن تحوّلت إلى مشهدٍ مُعدّ مسبقًا، وربما يتجاوز ذلك إلى ما يعتري الإنسان من حالاتٍ نفسية في تقلبات الحياة: كمرضٍ أو إرهاقٍ أو ضعفٍ بات كذلك يوثّق لحكم الآخرين، ولم يقتصر الأمر على فقدان السكينة إنما طغى شعورٍ خفي لعرض كل شيء حتى ما كان ينبغي أن يُعاش بخصوصية بعيدًا عن الأعين، ناهيك عن أنّ الصورة تُفحَص أولًا إذا ما كانت ستبدو جميلة في القصة، أو هل ستحصل على الإعجابات المطلوبة؟

قبل فترةٍ وجيزة روت لي صديقةٌ أنّها سافرت إلى إحدى الدول بحثًا عن المتعة واكتشاف جمال المكان، غير أنّ بهجة الاستمتاع بالأماكن لم تبلغ قلبها كما كانت ترجوه؛ إذ انقلبت رحلتها إلى سباقٍ مع التقاط الصور لقطةً بعد أخرى بين الأماكن، وحينما كانت منشغلة بالنشر في حساباتها وإرسالها للآخرين، غابت عنها لذّة التجربة الصادقة لزوايا الأمكنة التي زارتها، وتعلمت بعد أن غادرت المكان أن صدق اللحظة أبلغ من أي صورة.

بالطبع لا نقلل من قيمة توثيق الصور، إذ ليس الخطأ في التصوير بذاته لأننا نعيش في عالم رقمي متسارع فيه الكثير من الأحداث المتتالية التي تحتاج لنشر حقائقها ومتابعتها بالصوت والصورة، غير أنّ الحاجة الملحّة اليوم هي تمييز اللحظة التي تستحق أن تُوثَّق وتمحيصها عن تلك التي يجب أن تُستشعر دون تصنع، ولاحاجة لوضع كل تفاصيل الحياة تحت المجهر في سلسلة عرضٍ لا ينقطع، فالحفلات تُعرَض، والأطباق تُعرَض، ورحلات السفر تُعرَض، وحتى يوميّات البيوت غدت تُعرَض؛ حتى أسرار البيوت كُشفت فلم تعد تحدها حدود الجدران والجهات الأربع كما عهدناها، إنما تفنن البعض في التنافس على عرض يومياته داخل بيته على منصات التواصل؛ ليكون رأي المتابعين مرآةً يُقيس بها نجاحه.

في هذا المقام نستذكر قبل سنوات ليست ببعيدة حين كانت الذكريات تعيش في القلب وتسكنها دون وسائط، وتخلّد دون شاشات، فعندما نتأمل الصور القديمة نجدها تحمل في ثناياها رائحة المكان، وصوت من نحب وابتسامته البيضاء، وتفاصيل الكلمة، أما اليوم يبدو الأمر مختلفًا؛ حيث امتلأت فيه ذاكرة هواتفنا بمجلدات مرتبة، وفلاتر خداعة، وأرشيف من اللقطات التي تفتقد الكثير من بريقها الحقيقي، وهنا يظل السؤال المؤرق: لماذا لا نستمتع باللحظة كما هي دون الحاجة إلى إثباتها للغير؟

باختصار بليغ؛ كل توثيق للحظة جميل حين يكون امتدادًا لشعور حقيقي لا بديلًا عنه، فاستمتعوا بلحظاتكم نقية، وعيشوا إحساسها كما هي، وكثير من لقطات الحياة يكفي أن نعيشها بصدقٍ.