بقلم: أشواق العمرية
كان المشهد هادئًا حدّ الصخب…
المدينة في الخارج تمارس ضجيجها المعتاد،
بينما في الداخل شيء ما يتهدّم بصمتٍ مؤلم لا يُرى. الساعة تمضي ببطءٍ خبيث، والوقت لا يعترف بأن هناك روحًا تُقتلع من جذورها.
لم يكن الرحيل قرارًا… كان أشبه بانطفاءٍ تدريجيّ، كشمعةٍ تُقاوم الريح حتى آخر رمق، ثم تخضع. لم تكن هناك مشاهد وداع،
فقط غيابٌ متدرّج يزحف كالبرد في أطراف القلب.
تعلّم الناس أن الرحيل نوع من النسيان،
لكن الحقيقة أنه أكثر وجعًا من الذكرى…
أن ترحل يعني أن تحمل معك ما لا يُحمل،
أن تترك خلفك نسخةً منك معلّقة بين ما كان وما لن يكون.
هو لم يخطئ، وهي لم تخطئ، لكن الحياة أحيانًا لا تبحث عن مذنب، بل عن توازنٍ يعيد الفوضى إلى نصابها، ولو كان الثمن فراقًا.
ذلك النوع من الغياب لا يُرى في الوجوه،
بل في العيون التي تتظاهر بالقوة، في الرسائل التي تُكتب ثم تُمحى،و المسافات التي لا تُقاس بالأمتار، بل بعدد المرات التي كاد فيها الاسم يُقال ثم ابتُلع بصمت.
الرحيل ليس شجاعة دائمًا، أحيانًا هو عجزٌ أن تبقى بعد أن عرفت أنك لم تُفهم. وأحيانًا هو حنينٌ متعب فقد القدرة على الدفاع عن نفسه.
الذين يرحلون لا يختفون… يعودون في كل أغنية، في رائحة المطر، في الطرقات التي تشبه خطواتهم، وفي الجمل التي تبدأ ولا تُكمل لأنهم طرفها الغائب.
وتدرك أخيرًا أن الوداع الحقيقي لا يُقال،
بل يُعاش، مرّةً بعد مرّة، حتى يهدأ القلب من عناء التذكّر، ويقتنع أخيرًا أن الرحيل لا يُنهي الحكاية… بل يُجمّدها عند أجمل فصولها.
وفي النهاية، لا أحد يرحل تمامًا…
كل الذين عبروا القلب يتركون شيئًا منهم هناك، ظلًّا صغيرًا على الجدار، صدى لضحكةٍ لم تكتمل، أو كلمةً كانت كفيلة بتغيير كل شيء ولم تُقال.
يمضي كلٌّ في طريقه، يحمل وجعه كصندوقٍ مغلق لا يجرؤ على فتحه، يتظاهر بالسلام، بينما في أعماقه عاصفةٌ تعرف جيدًا اسم من أشعلها.
كل مساءٍ صامت، حين يهدأ كل شيء،
يتردّد السؤال ذاته بصوتٍ خافتٍ يشبه الندم:
هل الرحيل كان نجاةً… أم خسارةً لا يُعَوَّض بعدها شيء؟
ثم يسدل الليل ستاره، ويبقى القلب معلّقًا بين ذاكرةٍ لا تنطفئ، وحياةٍ تمضي وكأنها لا تعرف من تركها ناقصة بهذا الشكل.



