يقظةُ فِكرٍ بين مقطعٍ ومقطع

بقلم: أمل منصور المسرورية

أدمنتُ تصفّحَ البرامجِ الإلكترونيةِ المثيرةِ؛ بين فيديوهاتٍ مضحكةٍ وساخرةٍ تُنسيك عبءَ الحياة ومشاغلها، ومقاطعَ صوتيةٍ متنوّعةٍ تُطربك بآهاتها وتُخدّر لحظةَ الوعي، وفي غَمرةِ هذا الاستغراق، راودني فضولٌ حين رأيتُ كثيرًا من المثقفين يدعون القارئَ إلى كتابِ «الأب الغني والأب الفقير» لروبرت كيوساكي، فحدّثتُ نفسي كيف لعنوانٍ يشي بموضوعٍ يبدو بسيطًا، بل مألوفًا لدى معظم الآباء في أساليب تربيتهم لأبنائهم أن يكون محطَّ أنظارِ القراء، ولا أظنّ أن اثنين يختلفان على أن منهجيةَ الأب الثري لا تُقارن بالآليات المتواضعة التي يعتمدها الأب الفقير، أو لعلّ تربيته أقربُ إلى السجيةِ والعفوية. فتمتمتُ باستصغارٍ : لِمَ أُضيّعُ وقتي الثمين في قراءة عناوين أظنّ أنني أعرف خلاصتها مسبقًا؟

وفي صباحٍ باردٍ بين رمال الشاطىء إذ بفراغٍ معرفيٍّ يعتريني ويستوجِبُ ملأهُ بكتابٍ يأسرني بأفكارٍ خلاقة أو بألفاظٍ ساحرة، فما لي وسيلةٌ إلا الكتبُ الإلكترونية، تصفحتُ المجلداتِ فإذا بالكتابِ الآنفِ ذكره أجده يتقدمُ في واجهةِ الملفات، لا بأس سأتجولُ سريعًا بين عناوينه إلى حين انتهاء أولادي من اللعب، السائقُ ينادي بالمغادرة وحواسي الخمس مع فكري وإعجابي يشاركان عينيَّ القراءة بتمعنٍ، فما بين سطور جدال روبرت ووالد مايك دوى جرس السيارة، فارتبك المشهد بين عالمٍ أقرأه وواقعٍ يُطالبني بالالتفات، فما كان مني إلا أن أغلقتُ الصفحة، ومضينا في مسيرة التجوّل، بينما كان قلبي لا يزال معلّقًا بين دفّتي الكتاب، وما إن تسنحُ الفرصةُ أعودُ لأكملَ القراءةَ متلهفةً إليها.

وجدتُ أن الكتابَ ليس مجرّد سردٍ لتجربة، بل دعوةٌ لإعادة النظرِ في علاقتنا بالمال، وفي الطريقةِ التي نستهلك بها أعمارنا قبل أن نستهلكَ أوقاتنا ، لم أجد أرقامًا جامدةً ولا وصفاتٍ سحريةٍ للثراء، بل صدمةٌ هادئةٌ بأفكارٍ مغلوطةٍ زرعها المجتمع في أذهاننا منذ الصغر ، وما يقصده الكاتب بالفقير والغني هو المقارنة بين نصائح الأب البيولوجي (الفقير) الذي يركز على الأمان الوظيفي، والأب الصديق (الغني) الذي يعلم الاستثمار وبناء الأصول، وبعد قراءةٍ متعمقةٍ أدركتُ أن المشكلة لم تكن في قلّة المال، بل في ضيق الفهم؛ في تربيتنا على أن الوظيفةَ هي طوقُ النجاةِ الوحيدِ، وأن الراتب نهاية الطريق لا بدايته، تعلّمت أن المال إمّا أن يكون خادمًا مطيعًا إن أحسنتَ توجيهه، أو سيّدًا قاسيًا إن جهلتَ قواعده.

شيئًا فشيئًا انكشف لي معنى الذكاء المالي: أن تميّز بين ما يملأُ وقتك وما يبني مستقبلك، بين ما يرضي اللحظة وما يحمي الغد، وأن تدرك أن الهروب اليومي إلى الشاشات، وإن خفّف ثقل الواقع، فإنه لا يغيّره.
أمّا الوعي فمؤلم في بدايته، لكنه وحده القادرُ على نقل الإنسان من الاستهلاك إلى الاختيار.

وهكذا لم يعد الكتاب مجرّد عنوانٍ متداول بين المثقفين، بل مرآةً كشفت لي أن أخطر أنواع الفقر هو أن تعيش منشغلًا بما يلهيك، غافلًا عمّا يحرّرك، كنا نظن أن الأميةَ تقتصر على القراءة والكتابة، فباتت أميةُ إدارة المال تتصدرُ الجهالة كلها، تعلمنا في المدارس كيفية جني المال بوسائل شتى، ولكن لم تكمل المناهج دورها في كيفية المحافظةِ على المالِ المكتسب باستثماره، وهذا يُعدُّ إحدى الإشكاليات المغيّبةِ في ثقافتنا، إذ انحصر الوعي المالي في الطمع بالزيادات وتحسين مستوى المعيشة، دون إدراكٍ لحقيقة أن هذا المسار قد يخلق فجوةً تتسعُ كُلما انتشى الفؤادُ بزيادةٍ مؤقتةٍ في الدخل، فالفقير بيننا ليس من قلّ ماله فحسب، بل من أقام أمانه كلّه على راتبٍ وظيفي ينتظر قدومه نهاية كل شهر؛ فإن خسر الوظيفة، خسر معها الأمان، وانقلب حاله إلى هاويةٍ من العدم.

لم يُخبرنا أحدٌ أن المال ينقسم إلى خصوم تستنزفه لإرضاء الآخرين، فتقود صاحبها إلى دروب العوز والفاقة، وأصول تحفظ قيمته وتعمل على تنميته حين نضع المال في موضعه الصحيح.

وهكذا أصبحنا – دون وعي – عبيدًا للوظيفة، نبذل الغالي والنفيس مقابل عائدٍ لا يوازي أعمالنا التي نتكبَّدُ فيها الساعات الطوال ولا يحقق الرضا، فنقبض نهاية الشهر ونبدأ العدّ التنازلي من جديد.

فأين الحرية؟ وأين الاستقلال المالي في هذا النمط من العيش؟ وأين ثمار الخبرة المتراكمة عبر أعوامٍ طويلة؟ إن الكاتب يحثّنا على تنمية الذكاء المالي، لا بوصفه ترفًا معرفيًا، بل كضرورةٍ لبناء حياةٍ متزنةٍ ، يتحققُ فيها الأمانُ دون ارتهان، والكرامةُ دون خوف، والوفرةُ دون استنزاف.

وبعد الانتهاء من قراءة الكتاب كان السؤال يتسلّل بهدوء: هل نبحث في هذه المنصّات عن الترفيه فحسب، أم نهرب من مواجهة فراغٍ أعمق؟ وهل يمكن لكتابٍ واحد أن يوقِظَ ما أخمدته ساعاتٌ طويلةٌ من التصفّحِ العابر؟ لم يكن الفضول عابرًا، بل أشبه بنداءٍ خافتٍ في داخلي، يقول إن المتعةَ السريعةَ لا تصنعُ حياة، وإن الضحك المؤقّت لا يبني أمانًا. حدثتُ نفسي كيف نقضي الساعات نستهلك محتوى لا يترك فينا أثرًا، بينما نهرب من كتابٍ قد يغيّر طريقة تفكيرنا لسنوات!