يحوّل النفايات إلى طاقة ويصنع من التحديات فرصة وطنية

خالد الكعبي يفتح أبوابًا جديدة للطاقة النظيفة ويعزز مفهوم الاقتصاد الدائري

حاوره: خميس الذيابي

منذ سنواته الأولى في مقاعد الدراسة، وجد خالد بن خميس الكعبي نفسه مشدودًا نحو المشاريع التطبيقية التي تمزج الكيمياء بالهندسة والبيئة، وقال خالد إن بدايته كانت من مختبرات المدرسة، حيث نفّذ تجارب بسيطة شارك بعدها في مسابقات ابتكار محلية، الأمر الذي رسّخ في داخله قناعة بأن البحث العلمي الحقيقي هو الذي يقدّم أثرًا ملموسًا للمجتمع. وأضاف بأن شغفه بالمشاريع المستدامة نما مع الوقت، خاصة تلك التي تحول النفايات إلى موارد ذات قيمة.

وأوضح خالد أن فكرة ابتكاره “الوقود الأُحفُري” وُلدت من ملاحظة واقع بيئي يزداد وضوحًا، وهو تراكم زيوت الطبخ المستعملة في المطاعم والمصانع الغذائية، وهي كميات كبيرة تُهدر يوميًا رغم قيمتها الكيميائية، وقال إنه بدأ تجاربه الأولى من المنزل، محاولًا إيجاد طريقة بسيطة لتحويل هذه الزيوت إلى وقود حيوي يمكن استخدامه بديلاً للديزل التقليدي.

وفي حديثه عن اختياره للمشاريع البيئية تحديدًا، أشار خالد إلى أن هذا النوع من المشاريع يجمع بين بُعد أخلاقي يحمي البيئة وصحة الإنسان، وبُعد اقتصادي يفتح فرصًا جديدة ويقلّل التكاليف، وأضاف أن الاستدامة ليست مجرد شعار، بل فرصة عملية يمكن أن تخدم الاقتصاد الوطني وتخلق وظائف نوعية.

وعن تميّز مشروعه مقارنة بمشاريع الوقود الحيوي التقليدية، ذكر خالد أن تركيزه ينصبّ على المواد المحلية المتوفرة بكثرة، مثل زيوت القلي المهملة، إلى جانب تصميم عملية مبسّطة منخفضة الاستهلاك للطاقة يمكن تطبيقها في منشآت صغيرة ومتوسطة الحجم، كما أكّد أن معالجة الزيت المسبقة وإعادة تدوير النفايات الثانوية جزء أساسي من قوة المشروع، ما يجعله اقتصاديًا وبيئيًا في آن واحد.

وفي سياق تبسيط العملية الكيميائية للقارئ العام، قال خالد إن العملية تبدأ بتنظيف الزيت من بقايا الطعام والماء، ثم إدخاله في تفاعل “التأستر”—حيث يُخلط الزيت مع الكحول بوجود محفّز ليتحوّل إلى جزيئات أصغر تشبه الوقود الحيوي، بينما تتكوّن مادة الغليسيرين كمحصّلة جانبية يمكن الاستفادة منها صناعيًا.

ولم تخلُ رحلة خالد من التحديات؛ فقد تحدث عن تباين جودة الزيوت المستخدمة، وصعوبة إزالة الماء والشوائب بدقة عالية، وضرورة ضبط التكاليف التشغيلية، إلى جانب الحاجة للالتزام الصارم بمعايير جودة الوقود التي تتطلب أجهزة اختبار متخصصة، وقال إنه واجه أيضًا تحديات في التعامل مع النواتج الثانوية وإيجاد تطبيقات مناسبة لها.

وفي جانب النتائج، أوضح خالد أن التجارب الأولية كانت مبشّرة، حيث تم الحصول على عينات ذات خصائص قابلة للاستخدام بعد تحسين خطوات المعالجة المسبقة، وذكر أنه شارك بالمشروع في ورشة محلية للابتكار، نال خلالها تعليقات مهمة ساعدته في تطوير الفكرة.

وأشار خالد إلى أن ابتكاره يمكن أن يحقق أثرًا مباشرًا في دعم أهداف الاستدامة في سلطنة عمان، خصوصًا في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتحويل النفايات إلى موارد نافعة، وخلق فرص عمل محلية في جمع ومعالجة الزيوت، إضافة إلى دوره في تحسين جودة البيئة وتقليل التلوث الناتج عن التخلص العشوائي من الزيوت.

كما أكد أن المدارس والمؤسسات الصغيرة قادرة على لعب دور مهم في تبنّي الفكرة من خلال تجارب تعليمية مبسطة، ومشاريع تطبيقية في المختبرات، ومبادرات مجتمعية لجمع الزيوت المستعملة، ما يعزز الوعي بالاقتصاد الدائري ويشجّع الطلبة على التفكير الابتكاري.

وفي الجانب الاقتصادي، قال خالد إن المشروع قادر على خفض تكاليف الوقود لبعض القطاعات، كما يسهم في بناء سلسلة إمداد محلية تشمل الجمع، والمعالجة، والاختبار، والتوزيع، وأضاف أن نجاح المشروع قد يفتح المجال لتسويق الخبرات محليًا وإقليميًا.

وحول تسجيل الابتكار، بيّن خالد أن الفريق يدرس حاليًا إمكانية تسجيل براءة اختراع إذا تبين وجود خطوات تقنية مبتكرة تستحق الحماية الفكرية، مشيرًا إلى أن الأمر يتطلب تقييمًا قانونيًا متخصصًا.

أما عن الخطوات القادمة، فأوضح خالد أنه يعمل على تنفيذ تجارب أكبر حجمًا، وبناء نموذج أعمال متكامل، والدخول في شراكات صناعية لإنشاء وحدة إنتاج تجريبية، إلى جانب السعي لاعتماد المواصفات الفنية للوقود الحيوي وتسويق المنتج تدريجيًا.

وفي حديثه عن الشباب العُماني، أشاد خالد بوعيهم المتزايد في مجالات الابتكار والطاقة النظيفة، مؤكدًا أن توفير البيئة المناسبة والدعم الكافي سيطلق قدراتهم ويجعلهم شركاء حقيقيين في التحول نحو مستقبل أكثر استدامة.

واختتم خالد حديثه برسالة للقراء:
“لا تنتظر الفرصة… اصنعها. الأفكار الصغيرة حين تُطبّق بذكاء وقدرة على التطوير يمكن أن تتحوّل إلى مشاريع وطنية مؤثرة، ابدأ من فكرة بسيطة، وابحث عن من يؤمن بك، وتحلَّ بالشجاعة اللازمة لصناعة التغيير.”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *