بقلم: د. فاطمة الظاهرية
أَسْمَعُ دَبِيبَ أَرْجُلٍ مِنْ بَعِيدٍ
ضَجِيجَ أَنْفَاسٍ وَشَهِيقٍ
وَتَمْتَمَاتٍ عَلَى شَفَاهِ عَبِيرٍ
يَدُووه يَدُووه… وَعَجَزَ لِسَانُهَا عَنْ التَّعْبِيرِ
أَجِدُ خُطُوَاتِي تَسْبِقُنِي
وَبِسُرْعَةِ البَرْقِ أَرْتَدِي عَبَائَتِي
وَالْعَبَرَاتُ تُخْنِقُنِي
وَشَرِيطٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ يَمُرُّ عَلَى مُخَيِّلَتِي
هَا أَنَا أَقِفُ أَمَامَ سَرِيرِهَا صَامِتَةً
أَتَأَمَّلُ جُثَّةً هَامِدَةً
أَسْمَعُ صَوْتَ نَحِيبِ الخَادِمَةِ
وَصَرَاخًا فِي الخَارِجِ يَرْتَجُونَ الْمُسَاعَدَةَ
وَكَأَنَّ هَبَّةَ المَلَائِكَةِ تَقُولُ لِي: حَانَ الوَدَاعُ يَا فَاطِمَةُ
بِالرُّوفِ عَلَيْهَا يَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
هَذِهِ العَزِيزَةُ خَالَتُك نَبْعُ الحَنَانِ
لِمَهَا فِي حِضْنِكَ يَا حَمْدُ
هَذِهِ العَظِيمَةُ مَا مِثْلُهَا أَحَدٌ
وَأَبْكِي عَلَيْهَا يَا حُسَيْنُ
هَذِهِ الغَالِيَةُ الَّتِي لأَجْلِهَا تَدْمَعُ العَيْنُ
وَسِعَ لَهَا المَكَانُ يَا خَمِيسُ
هَذِهِ الجَوْهَرَةُ وَالدَّرُّ النَّفِيسُ
وَيْنَك يَا مَاجِدُ
تُدْفِي جَسَدَ أُمِّكَ البَارِدَ
اسْتُرْ عَمَّتَكَ بِالغِطَاءِ يَا عَلِيُّ
وَبِأَعْلَى صَوْتٍ عَلَى الدُّكْتُورِ نَادِ
فِي ضُحَى الأَوَّلِ مِن فِبْرَايِرْ
تَجَمَّدَتْ كُلُّ المَشَاعِرِ
سَجَّلْتُ حَالَةَ وَفَاةٍ فِي الأَوْرَاقِ وَالدَّفَاتِرِ
وَمَلَأَتِ الدُّمُوعُ المَحَاجِرَ
أَمَامَ الطَّبِيبِ شَيْخَةُ بِحُزْنِهَا تَكَابَرُ
وَغَصَّةُ نُورَةَ قَدْ بَلَغَتِ الحَنَاجِرَ
الجَارَةُ فَاطِمَةُ تَبْكِي خَلْفَ السَّتَائِرِ
وَابْنُهَا يَجُولُ مَكْسُورَ الجَنَاحِ كَطَائِرٍ
مَنْ يُبَلِّغُ نَعِيمَةَ طَرِيقَهَا الجَدِيدَ سَيَكُونُ إِلَى المَقَابِرِ..؟
رَحِمَهَا اللهُ أَيْنَ مَحَارِمُهَا..؟
هَذَا سُؤَالُ المُمَرِّضَةِ وَمَنْ مَعَهَا
بِصَوْتٍ مُخْنُوقٍ أَجَبْتُهَا:
«هَاتِي مَا لَدَيْكِ وَدَعِينَا نُجَهِّزَهَا»
قَالَت: «انْتَظِرِي فِي الخَارِجِ وَدَعِيهَا لَوْحَدَهَا»
فَاضَتْ عَيْنَايَ بِالدَّمْعِ لِلَّحْظَةٍ
تَجَاهَلْتُ المُمَرِّضَةَ وَكَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا
كَيْفَ أَتْرُكُ مَنْ وَهَبَتْ لِي حَيَاتَهَا..؟
نَبْضُ قَلْبِي وَالرُّوحُ تَلَازِمُهَا
هَذِهِ الغَالِيَةُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَرْعَاهَا
أُمِّي وَكُلُّ مَا فِينِي يُفْدِيهَا
وَانْحَنَيْتُ نَحْوَ سَرِيرِهَا
نَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهَا
قَبَّلْتُ جَبِينَهَا
وَعَيْنَايَ تُوَدِّعَانِهَا
وَيَدَاي تَارَةً إِلَى اليَمِينِ وَتَارَةً إِلَى اليَسَارِ تَقْلِبُهَا
وَشَفَتَايَ تُقَبِّلُ قَدَمَيْهَا
وَقَلْبِي يَدْعُو اللهَ أَنْ يُكَرِّمَ مَثْوَاهَا
وَيَجْعَلَ الجَنَّةَ مُسْتَقَرَّهَا وَمَأوَاهَا
أَيْنَ النَّاقِلَةُ قَدْ أَنَ الأَوَانُ
سَالَتْ دُمُوعُ المُنْتَظِرِينَ بِلَا اسْتِئذَانٍ
يُرَافِقُ سَرِيرَكِ مُوَكِّبُ الأحْزَانِ
وَخُطُوَاتٌ وَاهِنَةٌ لا يَتَحَمَّلُهَا الكِيَانُ
وَكَأَنَّ الظَّلَامَ حَلَّ بِالمَكَانِ
نَطْلُبُ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةَ وَالغُفْرَانَ
وَيُلْهِمُنَا بَعْدَكِ الصَّبْرَ وَالسَّلْوَانَ
اللهُ أَكْبَرُ يَا نَفْسُ عُودِي مِنْ جَدِيدٍ
رِحْلَتِي مُسْتَعْجِلَةٌ إِلَى الجَنَّةِ كَحَالِ شَهِيدٍ
أَنْتِ لَحْنُ الحَيَاةِ وَبَيْتُ القَصِيدِ
فَكَيْفَ تَرْحَلِينَ يَا سِيدَتِي عَنَّا بَعِيدًا
اللهُ أَكْبَرُ يَا نَفْسِي عُودِي مِنْ جَدِيدٍ
وَسَطَ وَلُولَةِ النِّسَاءِ
وَمَشَاعِرٍ حَزِينَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِالبُكَاءِ
أَرَى أَقْمِشَةً وَخُيُوطًا بَيضَاء
أَكْيَاسًا وَعُلُبًا صَفْرَاء
وَشَيْئًا لَمْ أُدْرِكْهُ مُخْلُوطًا بِالأِنَاءِ
وَأَبَارِيقَ دَافِئَةً مَمْلُوءَةً بِالمَاءِ
تَلَبَّدَتِ الغُيُومُ فِي السَّمَاءِ
تَغَيَّرَتْ كُلُّ الأَشْيَاءِ
وَبَدَأَتْ مَرَاسِيمُ العَزَاءِ
بُخُرِي الكَفْنَ يَا حَلِيمَةُ
وَزِيدِي العُودَ وَكُونِي لِخَالَتِك كَرِيمَةً
جَهِّزِي الطَّيِّبَ يَا خَدِيجَةُ
وَضَعِي لِعَمَّتِك كُلَّ الفُرُشِ الجَدِيدَةِ
خَلِّيكِ يَا مَرْيَمُ مِنْ أُخْتِك قَرِيبَةً
وَاسْتَسْمِحْ يَا عَبْد اللهِ مِنَ العُضَيْدَةِ
كُلُّ القُلُوبِ اليَوْمَ مَكْسُورَةٌ حَزِينَةٌ
تُنْعَى خَالُوَةُ أَمْنَةَ الرَّحِيمَةِ
مِنْ بَعْدِهَا صَارَتِ السَّجَّادَةُ وَسُبِحَتْهَا يَتِيمَةً
وَغُرْفَتُهَا مُوَحْشَةٌ وَعَتِيمَةٌ
مَا عَادَ لِلْمَةِ يَا مَحْفُوظَةُ وَيَا حَلِيمَةُ
بَعْدَ اليَوْمِ أَيُّ قِيمَةٍ
على شَفَا المَدَامِعِ وَأَلَمِ الفَقْدِ
ارْتَدَيْنَا لَوْنَ الحِدَادِ
أَرَى حُشُودًا حَزِينَةً فِي المَدَى المُمْتَدِّ
وَكَأَنَّهَا اتَّفَقَتْ عَلَى المِيعَادِ
هُنَاكَ مَنْ يُجَهِّزُ اللَّحْدَ
وَآخَرُونَ يَأْتُونَ بِالسِّجَادِ
تَجَمَّعَ الصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ مِن أَهْلِ البَلَدِ
وَالْحُضُورُ مِنْ خَارِجِ البِلَادِ
لَمْ يُخْلِفُوا العَهْدَ وَالوَعْدَ
وَاصْطَفَّ المُتَسَابِقُونَ بِالخَيْرَاتِ مِنَ العِبَادِ
بَهَتَ العَالَمُ بِرَحِيلِكِ المُعْتِمِ يَا أُمِّي
وَبَكَيْتُ عَلَيْكِ بِحَرْقَةٍ فِي أَحْضَانِ أَخِي
وَلَمْ تَعُدْ قُدَّامِي إِلَى غُرْفَتِك تَحْمِلُنِي
بِشَهِيقَةِ المَوْتِ احْتَرَقَ قَلْبِي
وَصَرَاخُ رُوحِي يَرْجِفُ بَيْنَ ضُلُوعِي
وَمِنَ الأَرْضِ لَمْ أَسْتَطِعْ رَفْعَ نَظَرِي
وَاجْتَمَعَ الأَحِبَّاءُ كُلُّهُمْ مِنْ حَوْلِي
يُشَارِكُونَنِي أَنِينَ البُكَاءِ
مِنْهُمْ بِالدُّعَاءِ يُعَزِّينِي
وَمِنْهُمْ مَنْ بِكَلِمَاتِ الصَّبْرِ يُوَاسِينِي
وَطَيْفُكِ مَا زَالَ يَحْتَوِينِي
لَمْ تُدْرِكِينَ كَمْ أَنْتِ غَالِيَةٌ يَا مَلَاكِي
فَالْجَمِيعُ اليَوْمَ عَلَى فِرَاقِي بَاكُونَ
وَجَاءَت سَيِّدَةٌ مِنَ الحَاضِرِينَ مُنَادِيَةً
أَيْنَ الفَقِيدَةُ الرَّاحِلَةُ؟
فَكُلُّ التَّرْتِيبَاتِ بَاتَتْ جَاهِزَةً
حَمَلُوكَ عَلَى الأَكْتَافِ وَدُمُوعُهُمْ مُتَسَاقِطَةٌ
وَضَعُوكَ عَلَى المَغْسَلِ بِقُلُوبٍ مِنَ الحُزْنِ نَازِفَةٍ
وَبَدَأَتِ المَغْسَلَةُ بِالآيَاتِ تَالِيَةً
اسْتَحْضَرْتُ النِّيَّةَ وَالأَقْمِشَةَ السَّاتِرَةَ
تَصُبُّ بَدْرِيَّةُ السَّدْرِ عَلَى الرَّأْسِ بَادِيَةً
وَمَاءُ زَمْزَمٍ عَلَى الجَسَدِ تَنْضُحُهُ دَاعِيَةً
هَا قَدِ انْتَهَيْنَا مِنَ الغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ
وَرَائِحَةُ الكَافُورِ فِي المَكَانِ فَائِحَةٌ
يَدَاي تَحْمِلُ الكَفْنَ تَرْتَجِفُ خَائِفَةً
وَكَأَنِّي فِي حُلْمٍ مِنْ لَيْلَةِ البَارِحَةِ
أَرَى المُقَرَّبِينَ بِرُوحٍ غَائِبَةٍ
نُوَدِّعُكِ يَا أُمِّي بِمَشَاعِرَ أَلِيمَةٍ بَاكِيَةٍ
عَلَى أَنْ نُلَاقِيَكِ فِي نَعِيمِ الآخِرَةِ
تَبْدَأُ خَاتِمَةُ الحَيَاةِ
لِتُغْلِقَ عَنَّا بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ
بِقُلُوبٍ مُطْمَئِنَّةٍ رَاضِيَةٍ
بَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ
وَرُوحٌ إِلَى السَّمَاءِ صَاعِدَةٌ
وَنَفْسٌ إِلَى المَوْتِ ذَائِقَةٌ
وَجُثَّةٌ إِلَى القِبْلَةِ مُتَّجِهَةٌ
نُوَدِّعُ سَيِّدَةً خَالِدَةً
أَبْكِيها دَمْعَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِي كَطِفْلَةٍ
لَا شَقَّ بَعْدَهَا طَرِيقَ حُزْنٍ لَمْ أَعْهُدْهُ
وَأَشْرَبُ كَأْسَ اليَتِيمِ قَطْرَةً فَقَطْرَةً
وَفِي رَحِيلِهَا أَفْقِدُ كُلَّ الأَشْيَاءِ المُتَرَفَةَ
مَشَاعِرُ الأَسَى وَالحُزْنِ تَطُوقُ الأَحِبَّةَ
وَوُفُودٌ تَتَزَاحَمُ آتِيَةٌ
يُقَدِّمُونَ التَّعَازِي الخَالِصَةَ
يُقَبِّلُونَ جَبِينَهَا وَيَرْتَعِشُونَ مِنَ الخَاتِمَةِ
هَا قَدْ وَصَلَتِ القَافِلَةُ
اسْتَعِدِّي يَا أَمْنَةُ
تُودِّعِينَا كَالطُّيُورِ المُهَاجِرَةِ
وَتَتْرُكِينَ غُرْفَتَكِ خَالِيَةً
وَأَطْفَالٌ لِعَطَايِكِ عَاشِقَةٌ
فَبَعْدَ رُوحِكِ الغَائِبَةِ
سَنَفْتَقِدُ الأُمَّ الحَنُونَةَ السَّاهِرَةَ
وَأَدْعِيَةَ النَّجَاحِ وَالتَّوْفِيقِ الصَّادِقَةِ
وَيَدٌ مَمْدُودَةٌ لَنَا نَافِعَةٌ
وَكَرَمُ جُودٍ وَأَخْلَاقٌ عَلِيَةٌ
وَمَحَبَّةٌ بَرِيئَةٌ يَانِعَةٌ
وَرُوحٌ طَيِّبَةٌ حَالِمَةٌ
وَكُلُّ مُفْرَدَاتِ الحُبِّ النَّاعِمَةِ
نُوَدِّعُكِ أُمَّهْ بِدُمُوعٍ حَائِرَةٍ
وَهَكَذَا، تُطْوَى صَفْحَةٌ مِنْ عُمُرِي وَلَا يُطْوَى حُضُورُكِ
تَمْضِينَ جَسَدًا إِلَى الثَّرَى، وَتَبْقِينَ رُوحًا لَا تَغِيبُ
رَحَلْتِ يَا أُمِّي، وَبَقِيَ الدُّعَاءُ وَطَنًا نَلُوذُ بِهِ
وَبَقِيَ اسْمُكِ أَمَانًا يَتَرَدَّدُ فِي صُدُورِنَا كُلَّمَا ضَاقَتِ الحَيَاةُ
نَمِي قَرِيرَةَ العَيْنِ يَا أَمْنَةُ
فَالْسَّمَاءُ أَرْحَبُ لِقَلْبِكِ
وَنَحْنُ عَلَى فِرَاقِكِ صَابِرُونَ
نَحْمِلُكِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى نَلْقَاكِ
كُلُّ حَرْفٍ تَسْطُرُ مِنْ قَلْبِي لا مِنْ قَلَمِي شَهَادَةُ رُوحٍ عَلَى أُمٍّ كَانَتْ وَطَنًا وَغِيَابُهَا زِلْزَالٌ
رَحِمَكَ اللهُ رَحْمَةً تَلِيقُ بِطِيبِ مَقَامِكِ وَجَبَرَ اللهُ خَوَاطِرَ اشْتَاقَتْ لَكِ فَبَعْضُ الفَقْدِ لَا يَشْفَى، لَكِنَّ اللهَ يُرَبِّتُ عَلَى القُلُوبِ
«وَبَيْنَ هَذَا الوَدَاعِ الثَّقِيلِ،
جَاءَتْ صَغِيرَتِي مِنْ بَعِيدٍ،
تَفَتَّشُ بِبَرَاءَتِهَا، وَتَسْأَلُ بِعَيْنَيْنِ لَمْ تَعْرِفَا الفَقْدَ بَعْدُ
قَالَتْ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ الدُّعَاءَ:
يَدُووه… رَاحَتِ الجَنَّةُ؟
وَسَكَنَ الحُزْنُ قَلِيلًا،
لِأَنَّ المَوْتَ حِينَ تُفَسِّرُهُ الطُّفُولَةُ،
يَصِيرُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ،
وَتَتَحَوَّلُ الفَاجِعَةُ
إِلَى وَعْدٍ بِلِقَاءِ لَا وَجَعَ فِيهِ.»
اللَّهُمَّ ارْحَمْ أَمْوَاتَنَا وَأَمْوَاتَ المُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَاسْكِنْهُمْ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ وَانِرْ قُبُورَهُمْ وَأَنْسْ وَحْشَتَهُمْ وَاجْعَلْ قُبُورَهُمْ رَوْضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ



