بقلم: خميس علي الهنداسي
في ذلك الجناح، تبدأ الحكاية بصوتٍ لا ينام.. أجهزة أربعة أسرّة تتناوب التنبيه؛ هذا يهدأ، فيعلو ذاك.. صفيرٌ قصير، ثم آخر أطول، ثم اهتزاز خفيف في عربة الدواء.. إيقاعٌ بارد يتسلّل إلى الأذن، لا يميّز بين مريضٍ ومرافق، ولا يعرف معنى الليل.
هذا ما يسمعه المريض وهو مستلقٍ على سريره… لكنه ليس وحده من يسمع.. إلى جواره، يجلس المرافق على كرسيٍ لا يعرف الراحة.. ظهره متيبّس، عيناه نصف مفتوحتين، وقلبه يقظ أكثر من أي جهاز.. لا يستطيع أن ينام؛ ليس لأن الضوء مزعج أو الصوت مرتفع فقط، بل لأن المسؤولية أثقل من النوم نفسه.. يراقب حركة اليد، رجفة القدم، تغيّر النفس.. يخشى أن يغفو دقيقة، فيستيقظ على كارثة.
وحين يكون المريض قد أصيب بجلطة، تصبح المهمة أشبه بالسير فوق خيطٍ رفيع.. يتصرف بعشوائية، يرى ما لا يُرى، ويتحدّث عن مشاهد من زمنٍ مضى وكأنها أمامه الآن.. يشير إلى زاوية الغرفة ويؤكد أن أحدهم يقف هناك.. يمدّ يده فجأة ويسحب سلك المغذي، كما لو كان يشد حبلًا في ساحةٍ مفتوحة.. يغضب بلا سبب، ثم يهدأ بلا مقدمة.. يطلب شيئًا ليس في الغرفة أصلًا.. لكنه يراه واضحًا في عالمه الخاص.
المرافق هنا لا يكون مجرد زائر.. هو حارسٌ يقظ، ومترجمٌ لارتباك المريض، ووسادة صبرٍ طويلة.. يعيد السلك إلى مكانه، يضغط زرّ الممرضة، يبتسم رغم الإرهاق، ويقول بصوتٍ ثابت: “لا يوجد أحد هنا… أنا بجانبك.” يكرّر الجملة عشرات المرات، كأنه يثبت وجوده في عالمين مختلفين؛ عالم الواقع، وعالم يتشكّل في ذهن المريض.
الليل هو الامتحان الأصعب.. في النهار، هناك حركة، أطباء، تمريض، زيارات عابرة.. أما في الليل، فيسكن الجناح إلا من صفير الأجهزة.. السكون يزيد الأفكار، ويضخّم القلق.. كل حركة مفاجئة تُفزع المرافق.. كل تنبيهٍ جديد يرفع نبضه.. يجلس متحفّزًا، لا يخلع حذاءه، ولا يسمح لنفسه بالاسترخاء الكامل.. تمرّ الساعات بطيئة.. يراقب عقارب الساعة كما يراقب أنفاس المريض.. يشتهي سريرًا بسيطًا، أو وسادةً حقيقية، أو ساعة نوم متصلة بلا انقطاع.. لكنه يبتلع رغبته، لأن بقاءه هنا ليس خيار رفاهية؛ بل شعور داخلي بالواجب، وشيء أعمق من الواجب.. محبةٌ لا تترك صاحبها وحده.
قليلون من يتحدّثون عن معاناة المرافق.. العيون تتجه دائمًا إلى سرير المرض، إلى التشخيص، إلى الخطة العلاجية.. أما الكرسي المجاور، فيُنسى.. مع أن عليه يجلس شخصٌ يعيش القلق ذاته، وربما خوفًا مضاعفًا.. هو لا يتألم جسديًا، لكنه يستهلك روحه في الحراسة، والانتظار، والتماسك..
ومع ذلك، يبقى.. يبقى لأن المريض حين يفتح عينيه في لحظة ارتباك، ويبحث بنظره عن وجهٍ مألوف، لا يريد أن يرى جهازًا أو جدارًا أبيض.. يريد أن يرى إنسانًا يعرفه.. يريد طمأنينةً لا تصدر صفيرًا.
في تلك الغرفة، بين صوتٍ يتوقف وصوتٍ يبدأ، تُكتب قصة صامتة لا تُسجَّل في ملفٍ طبي.. قصة مرافقٍ لا ينام، لكنه لا يشتكي… لأنه يعرف أن وجوده، ولو متعبًا، هو جزءٌ من العلاج.






