بقلم :بدرية مبارك الدرعي
هل سمعت عن الرجل الذي أضاء العالم ببارود اختراعه، ثم قرر أن يُطفئ نيران الحرب بأنبل جائزة للسلام؟ إنه ألفرد نوبل الكيميائي السويدي، كرس كل طاقته للبحث العلمي عن الذرة والانفجارات، واكتشف نوبل مادة الديناميت المدمرة وأصبح من أغنياء العالم بسبب تجارة الأسلحة والديناميت، وذات يوم مات أخوه الصغير وأخطأت إحدى الصحف، وكتبت النعي في الجريدة باسم العالم نوبل بدل أخيه، قرأ نوبل نعيه وهو ما زال على قيد الحياة، فانتظر ليرى رد فعل الناس فقد وجدها فرصة، ليتابع بنفسه ما يقوله الآخرين عنه وعن أبحاثه واكتشافاته فصمت ولم يصحح خبر موته الخطأ، فوجد أن صحف كثيرة تعلن عن خبر موته وبدأت المقالات تنهال عليه وجاءت عناوينها “نوبل مخترع الدمار”، “نوبل مدمر العالم” تأثر نوبل بالمقالات واستيقظ ضميره وراجع حساباته وتحول من استخدام الذرة في الحروب إلى استخدامها في السلام وقرر أن يوهب كل ثروته بعد مماته لصانعي السلام وقام بتقديم جائزة عالمية لأفضل من يقوم بصنع السلام، ومن هنا بدأت جائزة نوبل للسلام وما زالت تمنح هذه الجائزة لمن يصنع السلام حتى اليوم، فكان من تُجار الموت وأصبح من صُنَّاع السلام ، في ضوء قصة نوبل التي جمعت بين نقيضين، يلحّ عليّ سؤال: إذا كان السلام غاية عظمى، فمن أي نقطة يجب أن تكون انطلاقتها؟
من وجهة نظري المتواضعة أرى إن السلام يبدأ من داخلك بفضل سلامك مع الله، ويستمر معك في كل مراحل حياتك، إذ يُعدّ السلام مع الله هو أساس كل سلام.
يتجلى السلام من خلال الإيمان الصادق في داخل القلب فتجده لا يزعزعه شيء، تسليمٌ مطلقٌ لكل ما أمر به الله، يقين يدفعك نحو الطاعة بحب وشوق، وتجنب المعاصي خوفاً وخشية، وتستشعر أن العبادة كالصلاة والذكر وقراءة القرآن هي وسائل لتقوية علاقتك بالله. محطات لتزويد القلب بالسكينة والطمأنينة، فينعم القلب بالاطمئنان، والروح بالهدوء فيتحقق السلام، وتسود السكينة الحقيقية التي لا يمكن أن تمنحها أي متاعٍ من متاع الدنيا.
وكذلك السلام مع النفس والذي يأتي نتاج وثمرات السلام مع الله، وهو الشعور بالرضا والطمأنينة الداخلية، تأتي عندما تتقبل عيوبك ونقاط ضعفك، وتعمل على تحسينها، وأن ترضى بقضاء الله وقدره وأن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا الإيمان يزيل الكثير من الهموم والقلق.كما أنه يخلصك من الأحقاد والضغائن فتصبح نفسك مرتعًا للصفح والعفو فيتحرر قلبك من ثقل الكراهية والغضب، وتفتح أبواب الراحة والسكينة.
ولو تطرقنا إلى ديننا الحنيف لوجدنا أن القرآن الكريم هو منهجًا للسلام، إذ إنه يربط السلام بالإيمان والإسلام نفسه فلفظ “الإسلام” مشتق من “السلام” و”السلم”، مما يؤكد أن الاستسلام لله هو الطريق الوحيد لتحقيق السلام الحقيقي، ولا تنسى أن من أسماء الله الحسنى اسم “السلام”، وهذا يدل على أن الله هو مصدر كل سلام وأمان، وأن هو منبع السلام الحقيقي وفي الأحاديث الشريفة جعل النبي صلى الله عليه وسلم السلامة من أذى المسلم علامة على الإسلام الصحيح، فقال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (رواه البخاري ومسلم).
إذا تحقق السلام وتغلغل في ذواتنا فإن ذلك سوف ينعكس إيجاباً داخل المجتمع فتجد أبناءه يصبحون أكثر قدرة على بناء علاقات سلمية مع الآخرين، مما يؤدي إلى مجتمع أكثر سلامًا وتماسكًا فيصبح هناك حوار بنّاء وتبادل الآراء بطريقة محترمة، والاستماع للآخرين بفهم، حتى عند الاختلاف ندرك أن التنوع في الأفكار والثقافات جزء طبيعي من المجتمع، إذ يجب احترام الآخرين بغض النظر عن معتقداتهم أو خلفياتهم، فتجدهم يعملون معًا من أجل تحقيق أهداف مشتركة، من هنا تقوي الروابط الاجتماعية ويشعر الأفراد بأنهم جزء من كيان واحد.
كما إنه يمكننا أيضًا نشر ثقافة السلام من خلال التعليم والتربية، إذ يمكن من خلاله غرس قيم الاحترام والعدالة في الأجيال الجديدة، تقول العالمة الإيطالية ماريا مونتيسوري:
“إذا أردنا أن نصل إلى سلام حقيقي في هذا العالم، علينا أن نبدأ بتعليم الأطفال.”
عزيزي القارىء:
لقد كان السلام الغاية العظمى التي سعى إليها الإنسان منذ الأزل، وها نحن نرى كيف تُمنح جائزة نوبل لمن يصنعه في عالمنا المعاصر، ولكن، قبل قرون طويلة، لم تكن هناك جوائز مادية، بل كانت هناك رسالة خالدة من النبي محمد ﷺ إلى هرقل، قال فيها: ‘أسلم تسلم’. لم تكن هذه الكلمات دعوة إلى إسلام فحسب، بل كانت بمثابة إعلان عالمي للسلام؛ دعوة إلى تسليم النفس لله، ليجد الإنسان سلامه الداخلي، وينعكس ذلك على العالم من حوله. إنها رسالة تؤكد أن السلام الحقيقي لا يُصنع بالاتفاقيات فقط، بل يبدأ من القلب أولًا وينتهي بوصوله إلى الروح حيث لا قلق ولا خوف ولا حزن، في جنات الخلد، حيث السلام الأبدي.
فمتى ستبدأ رحلتك إلى السلام؟





