“تعاون”… حين يتحوّل التطوعمن مبادرة عابرة إلى مسار يبني الإنسان ويصنع الأثر

متابعة: حبر الوطن الإلكترونية

في ظل الحراك الشبابي المتصاعد داخل سلطنة عُمان، تبرز الشبكة العُمانية للمتطوعين “تعاون” كإحدى الركائز التي أعادت تعريف العمل التطوعي، ليس كفعل عابر أو نشاط جانبي، بل كمسار تنموي متكامل يبدأ بالتدريب وينتهي بصناعة أثر فعلي في المجتمع، وتأتي مبادرة “جواز مدرب المتطوعين” كواحدة من أهم البرامج التي قدّمتها الشبكة، حيث تُعد هذا الجواز رحلة تطوّر عملية للمتطوع، ومسارًا يرافقه في كل خطوة، موثقًا جهوده ومهاراته ومعارفه.

لا يقتصر “جواز مدرب المتطوعين” على كونه وثيقة تُمنح في نهاية البرنامج، بل يتجاوز ذلك ليصبح سجلًا حقيقيًا لمسيرة المتدرب، يثبت فيها قدراته التي اكتسبها عبر التدريب والميدان يُتيح الجواز لصاحبه اعترافًا رسميًا بخبراته التطوعية، ويمنحه فرصة الترقّي داخل المؤسسات والمبادرات، كما يُعد مرجعًا مهنيًا يُقدّم للجهات التي تبحث عن متطوعين يمتلكون القدرة على القيادة وإدارة المبادرات وفرق العمل.

وتتسم الورش التدريبية التي يقدمها البرنامج بتنوع لافت، يشمل جوانب إنسانية ومهارية ومهنية، حيث خاض المشاركون ورشة في الإسعافات الأولية التي أخذتهم إلى عمق التجربة الإنسانية، وعرّفتهم بقيمة الدقائق التي قد تغيّر حياة إنسان وفي جانب آخر، قدّمت ورشة في المجال الاجتماعي والاقتصادي مساحة من التنافس والحماس بين المتدربين، وأتاحت لهم فهم المجتمع من منظور مختلف، كما تعرّف المشاركون على عالم التدريب وأساسياته، وتعلموا كيفية الوقوف أمام الجمهور وإدارة الحوار، فيما ساعدتهم ورشة أساسيات المسرح على كسر رهبة المواجهة والتعبير بطلاقة أكبر، هذا التنوع جعل كل ورشة خطوة تُبنى فوق الأخرى، لتشكّل في النهاية شخصية متطوع قادر على العمل في مختلف الظروف.

ومع انتهاء المرحلة التدريبية داخل القاعات، ينتقل المتدربون إلى الميدان، وهو الجزء الأكثر تأثيرًا في الرحلة حيث هناك، في المدارس، والأحياء، والفعاليات العامة، يواجه المتطوعون الواقع الحقيقي: إدارة الحشود الصغيرة، التوعية، التعامل مع الجمهور، وتنفيذ المهام تحت ضغط الوقت كما أن هذا المزج بين النظرية والتطبيق جعل البرنامج تجربة حقيقية يشعر بها المتدرب لحظة بلحظة.

ومن جانب أخر يخلق هذا البرنامج بيئة شبابية نابضة بالحياة، يجتمع فيها المشاركون من تخصصات وخلفيات متنوعة، لتتلاقى أفكارهم وتجاربهم وتطلعاتهم في كل ورشة، وكل تطبيق ميداني، تمتزج الضحكات العابرة مع النقاشات الجادة، وتنشأ علاقات تتجاوز إطار التدريب لتصبح مجتمعًا صغيرًا ينمو معًا.

وسط هذا التفاعل، برزت تجارب مميزة تعبّر بصدق عن أثر البرنامج في نفوس المشاركات، فقد تحدّثت أريج زاد عن بدايتها التي شابها التوتر والقلق، كانت تخشى تأثير التطوع على دراستها، وتتساءل إن كانت قد اتخذت القرار الصحيح إلا أنها ما إن حضرت الورش الأولى وتعرّفت على الفريق، حتى وجدَت نفسها تنسجم تدريجيًا مع الأجواء،وتقول إنها بدأت ترى التطوع بشكل مختلف، لم يعد مجرد نشاط خيري، بل مسؤولية تُبنى على المعرفة وتنتهي بنتائج ملموسة. وشبّهت أريج الجواز بالأم التي تمسك بيد طفلها وترتب مساره خطوة بخطوة، مؤكدة أن الجواز ساعدها على تنظيم أفكارها ورؤية مسارات جديدة لم تكن تعرفها من قبل.

أما أشواق العمرية، فكانت تجربتها مختلفة في التفاصيل لكنها مشابهة في العمق لم تتوقع أن يترك البرنامج هذا الأثر الكبير في نفسها فكل يوم كان يمنحها فهمًا أعمق لذاتها وللآخرين قبل دخولها، كانت ترى التطوع نشاطًا بسيطًا، لكن التجربة غيّرت هذه النظرة تمامًا، لتصبح بالنسبة لها مساحة حقيقية للنمو، تتطلب صبرًا وجهدًا وتواصلاً حقيقيًا مع الناس والمواقف، تقول أشواق إنها لأول مرة تشعر بالتطور بشكل ملموس، وترى نتائج جهدها بوضوح، وتضيف أن التغيير الذي حدث لها منذ بداية البرنامج حتى اليوم كان أعمق مما تخيلت.

وتكشف هذه التجارب أن الشبكة العمانية للمتطوعين “تعاون” لا تقدم برنامجًا تدريبيًا فحسب، بل تبني تجربة متكاملة، تبدأ من المعرفة وتنتهي بتكوين شخصية قادرة على اتخاذ المبادرة والتأثير في محيطها فالجواز ليس وثيقة تُحفظ في ملف، بل مسار يُصنع بجدية، وعلامة فارقة في رحلة كل شاب وشابة يبحثان عن فسحة للنمو وصناعة أثر.

وفي ظل قصص المتطوعين مثل أريج وأشواق، يتجلّى جوهر الحقيقة: حين يكون التطوع منظّمًا ومبنيًا على المعرفة، فإنه يصنع الإنسان قبل أن يصنع الأثر.